أزمة الكهرباء في دمشق.. ألواح شمسية تضيء الفجوة الطبقية
أسامينا
أزمة الكهرباء في دمشق.. ألواح شمسية تضيء الفجوة الطبقية
دمشق – رهام عليا
في إحدى الليالي الرمادية في دمشق، يجلس طفل في حي شعبي يرفع شمعة صغيرة فوق دفتره الدراسي، يحاول إنقاذ واجبه من الظلام الدامس، وعلى بُعد بضعة كيلومترات فقط، تلمع الألواح الشمسية فوق أسطح الأبنية الفخمة، والمكيفات تعمل بلا توقف.
ليس هذا مجرد فرق جغرافي؛ بل انعكاس لحياة السوريين طوال 15 عاماً من الحرب: فالكهرباء لم تعد خدمة عادية؛ بل رمز للقدرة المالية والطبقية، ومرآة لأزمة اقتصادية واجتماعية أعمق.
ومع رفع التعرفة في تشرين الأول 2025، زادت ساعات الوصل في بعض الأحياء، لكن هذه الزيادة لم تُترجم إلى فرحة، فـكل ساعة تغذية باتت تعني فاتورة أكبر، وكثيرون صاروا يتمنون أن لا تأتي الكهرباء أصلاً، لتجنب عبء مالي جديد. تناقض صارخ يضع المواطن بين الحاجة والقدرة على الدفع.
واقع التقنين: الكهرباء تُقاس بالساعات
في دمشق، لا تُحسب الأيام؛ بل ساعات الوصل الكهربائي، ففي بعض الأحياء، غالبًا لا تتجاوز ساعات التيار أربع ساعات يوميًا، في حين تصل في الأحياء الراقية إلى ثماني ساعات متصلة، مع دعم المولدات والألواح الشمسية.
أبو محمود، صاحب محل خياطة في أحد الأحياء الشعبية، يروي: “صار عندي توقيت محدد للعمل، إذا الكهربا أجت ساعتين بس، أعطيهم لكل ماكينات الخياطة، بعدين نقعد ع العتمة “.
من جهتها، وزارة الكهرباء كانت تقول إن السبب نقص الوقود والغاز لمحطات التوليد وارتفاع الطلب، لكن الأهالي يرون أن المشكلة أعمق: بنية تحتية مهترئة وخطط إصلاح متأخرة.
رفع الأسعار: كهرباء أكثر… وعبء أكبر
ومع نهاية تشرين الأول 2025، رفعت الوزارة التعرفة على نحوٍ لافت: الشريحة الأولى وصلت 600 ليرة للكيلوواط، والثانية 1400 ليرة، والشريحة الثالثة للمؤسسات والمصانع 1700‑1800 ليرة.
رد فعل الشارع كان سريعًا: احتجاجات محدودة في سلمية وريف حماة، وعبارات مثل: “ندفع أكثر ونحصل أقل”.
لكن ما ظهر لاحقًا كان أكثر غرابة: ساعات الوصل زادت، لكن رغبة الناس في تشغيل الكهرباء تقلصت.
أم سليم من حي الورود تقول: “صارت الكهربا تجي أكثر، بس كل ساعة معناها فاتورة أكبر، ما عدنا نفرح بالتيار، صرنا نحسبه حساب”.
هذا التناقض يوضح حقيقة معقدة: الحكومة تحاول زيادة الإنتاج وتحسين الوصل، لكن الأسعار المرتفعة جعلت الخدمة عبء نفسي ومالي، وولّدت تقنينًا ذاتيًا يفرضه المواطن نفسه.
الطاقة البديلة: النور مكلف
ومع ارتفاع الأسعار وتقنين الكهرباء، لجأت بعض الأسر إلى تركيب منظومات شمسية وبطاريات، لكن هذا حل مكلف: تتراوح تكلفة المنظومة المنزلية المتوسطة بين 10 و14 مليون ليرة، وهو ما يجعلها ترفًا للأغنياء.
المهندس نضال الحمصي يوضح: “الطلب على الألواح كبير، لكن السوق فوضوي. كثير من المعدات صينية رديئة أو مستعملة، والمواطن يدفع مقابل وعد لا يُنفذ أحيانًا”.
بالتوازي، وسعت السوق السوداء للألواح والبطاريات الفجوة بين من يملك الطاقة ومن لا يملكها،. فمن يعتبر من الطبقة “الغنية” يضيئون منازلهم 24/24، في حين أنَّ الفقراء وذوي الدخل المحدود يعتمدون على لمبات USB ومولدات صغيرة، ويحسبون كل ساعة كهرباء كما لو كانت ذهبًا.
الفجوة الكهربائية والبعد الطبقي
كذلك، فإن الاختلاف لم يعد اقتصاديًا فحسب؛ بل صار شرخًا اجتماعيًا يوميًا. الأطفال في الأحياء الشعبية يدرسون على ضوء الشموع، المحلات الصغيرة تُغلق أبوابها، والأسر تحسب كل ساعة تغذية لتجنب الفواتير.
وفي المقابل، سكان الأحياء الراقية يعيشون حياة شبه طبيعية: مكيفات، ثلاجات، مصاعد تعمل بلا توقف. الفجوة ليست فقط في ما تملكه الأسرة؛ بل في عدد ساعات الضوء التي تستطيع دفع ثمنها.
التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية
انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار له انعكاسات مباشرة تمثلت بـِ:
التعليم: الطلاب يعتمدون على النهار أو البطاريات المكلفة.
الأعمال الصغيرة: المقاهي والورش ومحلات الخياطة تعدل ساعات التشغيل لتقليل الفاتورة.
تكاليف المعيشة: الثلاجات والمولدات والبطاريات صارت من الضروريات التي تثقل الميزانية الشهرية.
الاحتقان النفسي: الشعور بدفع مقابل خدمة ناقصة يولد استياءً واسعًا وأحيانًا تظاهرات، كما في سلمية وريف حماة.
السياسات المستقبلية والبدائل
في هذا السياق، أعلنت وزارة الكهرباء عن مشروع عدادات ذكية وزيادة ساعات التشغيل إلى نحو 14 ساعة يوميًا منتصف 2026، وتشجيع الاستثمار في محطات شمسية صغيرة.
لكن الخبراء يشددون: الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالأسعار؛ بل بإعادة تأهيل محطات التوليد، تحديث شبكات النقل، تأمين الوقود، ومكافحة الهدر. الكهرباء في دمشق ليست مجرد خدمة يُعاد ضبطها؛ بل منظومة تحتاج إعادة بناء وعدالة توزيع.
في المحصلة، لم تعد الكهرباء في دمشق 2025 مجرد ضوء؛ بل معيار للعيش والطبقية. من يملكْها يعِش حياة أقرب إلى الإنسانية، ومن لا يملكها يعِش تحت ضوء مصباح بطارية. بين رفع الأسعار وساعات الوصل المحدودة، تتشكل صورة وطن يبحث عن النور كحق وليس كترف، حيث كل ساعة ضوء تُحسب بعناية، وكل قرار حكومي يترك أثره النفسي والاجتماعي على حياة الناس
المدن






