Home / أخبار سوريا / أين المجتمع المدني الثوري اليوم؟ لغزٌ يحتاج لتفسير

أين المجتمع المدني الثوري اليوم؟ لغزٌ يحتاج لتفسير

وائل مرزا د. وائل مرزا

وائل مرزا كاتب وسياسي

أسامينا

أين المجتمع المدني السوري الثوري الذي يُفترض أنه تدرّب طوال أكثر من عقدٍ كامل من عمر الثورة، وتلقّت منظماته آلاف الدورات وورش التدريب في الحوكمة، وبناء القدرات، والتخطيط الاستراتيجي، والتمكين المجتمعي، بتمويل أمميٍ وأوروبيٍ وأمريكي تجاوز مئات ملايين الدولارات؟ أين ذهبت كل تلك الخبرات المُعلنة حين انتقل البلد من لحظة الشعار إلى لحظة الحاجة الفعلية؟ ولماذا، في أول اختبارٍ جدي بعد التحرير، يبدو حضورها باهتاً، وأثرها محدوداً، ومبادراتها نادرةً؟

كيف يمكن تفسير هذا التناقض الصارخ؟ ولماذا تقف هذه المنظمات اليوم في لحظة ما بعد التحرير شبه غائبة، قليلة الأثر، ضعيفة المبادرة؟

الأرقام هنا ليست للتفاخر وإنما هي للمساءلة.. فنحن نتحدث عن مئات المنظمات المحلية، وعن آلاف الورش التدريبية والمؤتمرات التي عُقدت في إسطنبول، وغازي عنتاب، وعمان، وبيروت، ومدن وعواصم أخرى، وداخل سوريا نفسها.. نحن نتحدث عن جيلٍ سوريٍ كامل قيل لنا إنه “تدرّب” ليقود المجتمع ويستجيب لحاجاته. ومع ذلك، حين انتقل البلد من زمن الشعارات إلى زمن العمل، تبيّن أن جزءاً كبيراً من هذا التراكم كان معرفياً نظرياً بلا ممارسة، ومؤسسياً بلا روح مبادرة، ومشروطاً بانتظار التمويل أو الإذن!

والمسألة هنا لا تُختزل في نقص التمويل أو ارتباك المرحلة، بقدر كونها تكشف فجوةً بين التدريب والممارسة، وبين لغة المشاريع ولغة الواقع. فقد نشأ جزءٌ معتبر من هذا المجتمع المدني في بيئةٍ تُكافئ الامتثال للنماذج المانحة أكثر مما تُكافئ الابتكار المحلي، وتتدرّبُ على كتابة المقترحات أكثر مما تتدرّب على قراءة المجتمع. ومع مرور الوقت، ترسّخت ذهنية الانتظار: انتظار المانح، أو انتظار الدولة، أو انتظار “الظرف المناسب”، بدل المبادرة بما هو ممكنٌ الآن.

وكمثالٍ محددٍ وكبير، يحق للسوريين أن يتساءلوا اليوم: أين ذهبت منظمة “مدنيّة” حالياً؟ وهي التي أسسها رجل الأعمال السوري أيمن الأصفري، وقُدِّمت بوصفها مظلّةً جامعةً للفضاء المدني السوري، وتضمّ -بحسب تعريفها الرسمي- أكثر من 240 منظمة موزّعة قطاعياً وجغرافياً؟ أين هذه الكتلة التنظيمية حين يحتاج المجتمع، بعد أكثر من عامٍ على التحرير، إلى برامج ملموسة، وخدمات مجتمعية، ومبادرات “تنموية صغيرة” تُرى آثارها في الشارع؟ 

ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية: هل إن غياب هذا الجسم، وعمله وتأثيره، ناتجٌ، فعلاً، عن قلة فعالية وعجزٍ عن التحول من منصة تنسيقية/خطابية إلى فعلٍ ميدانيّ قابل للقياس؟ أم أنه خيار-بوعيٍ أو بلا وعي- يقوم على ترك العبء كله على الدولة كنوعٍ من “الضغط” السياسي، أو إلقاء المسؤولية كاملة على مؤسساتها، بدل أن يكون المجتمع المدني شريكًا مُكمِّلًا لها؟ في الحالتين، تبدو المشكلة قائمة، لأن النتيجة واحدة: فراغٌ في الفعل، وتضخمٌ في الكلام، وخسارةٌ مضاعفة لثقة الناس بمعنى “المجتمع المدني” نفسه.

ما يضاعف سوء هذا المشهد/المفارقة، ويكشف درجة اختلاله بوضوح فاضح، هو المقارنة بين هذا الجمود الجماعي وبين ظاهرة مشرقة نادرة تتمثّل في نشاطات سوريٍ واحد؛ هو الدكتور تشارلز مهند ملك؛ والذي لم ألتقِ به شخصياً، ولا أعرفه عن قربٍ. لكن المتابعة الدقيقة تُظهرُ أنه يبادر، بصفته فرداً لا مؤسسة، للقيام بمشاريع ذات تأثير ملموس، سواء عبر تعاونه التطوعي المباشر مع وزارة التربية والتعليم، أو عبر مبادرات خاصة يطلقها بجهده الشخصي، دون ضجيجٍ إعلامي أو انتظار مظلة تنظيمية. فهنا، لا تعود المفارقة رمزيةً، وإنما تصبح عمليةً وصادمة: مئات المنظمات، آلاف الدورات، سنوات من “بناء القدرات”، فعاليتها تكاد تكون صفراً! في مقابل فعلٍ فرديّ يشتغل على الأرض ويترك أثراً مُقدّراً يمكن رؤيته ولمسه.

الأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة الإيجابية الفريدة، بدل أن تُحتضن وتُقرأ كنموذج يُحتذى، تُواجَه بحملات تنمّر واستهزاء من بعض من يطلقون على أنفسهم صفة “المعارضة”، وربما منهم أعضاء في المجتمع المدني الثوري نفسه!! بذريعة أن الرجل علمانيٌّ في رؤيته، لكنه، في الوقت نفسه، داعمٌ لمسار الدولة السورية الجديدة، وكأن المعيار لم يعد حجم الفعل ولا صدقيته، ولاخدمته للسوريين، وهذا الأهم، وإنما مدى انضباطه داخل قوالب أيديولوجية مسبقة. من هنا، وعند هذه النقطة، لا يصبح السؤال: لماذا نشط هذا الفرد؟ وإنما يتجاوز ذلك إلى سؤالٍ أكبر: لماذا عجز هذا الكمّ الهائل من الكيانات المدرَّبة عن أن يفعل ما فعله شخصٌ واحد، حين حانت ساعة الاختبار؟

وإلى جانب هذا الاستثناء “العلماني” الفردي، المتمثّل في نشاط الدكتور تشارلز مهند ملك، تبرز مفارقةٌ موازية لا تقل أهمية، تتمثّل في تجربة منظمة (غراس النهضة) ذات الخلفية الإسلامية الحضارية، وهي منظمة لا تنتمي إلى (مدنية)، لكن عملها لم يتوقف بعد التحرير، ولم تدخل حالة انتظار أو ارتباك، وإنما واصلت نشاطها وتطوّر خطابُها وأدواتها وحجم عملها بسلاسةٍ واضحة، وكأن الانتقال من زمن الثورة إلى زمن الدولة كان جزءاً من وعيها المسبق بوظيفتها المجتمعية.

بهذين المثالين، تتكامل، في الحقيقة، دلالةٌ ذات معنى، وتتمثل في أن الفعل المدني الجاد لا تحكمه هويةٌ أيديولوجية، لا علمانية ولا إسلامية، بقدر ما تحكمه البوصلة الأخلاقية والقدرة على قراءة اللحظة التاريخية. فحين ينجح فاعلان متباينان فكرياً في كسر الجمود ذاته، فإن المشكلة لا تعود في “المرجعية”، وإنما في غياب الإرادة لدى من امتلكوا العناوين والتمويل والتدريب، لكنهم غابوا ساعة الفعل.

الدولة التي تُترك وحدها لتحمُّل كل الأعباء الاجتماعية تُستنزف، والمجتمع الذي يُعوَّد على انتظار الدولة يُصاب بالشلل. والمجتمع المدني الحقيقي لا ينافس الدولة ولا يضغط عليها بالتعجيز، وإنما يُخفّف عنها بالفعل والمساهمة، ويمنحها الشرعية الأدائية عبر الشراكة، ويحوّل الاستقرار من شعار سياسي إلى ممارسة يومية يشعر بها الناس في حياتهم. 

وفي هذا المعنى تحديداً، لا تعود مساءلة غياب المجتمع المدني نقداً له فقط، بقدر كونها دفاعاً عن جوهر مهمته أولاً، ثم عن الدولة نفسها وعن فرص تعافيها واستدامتها.

الثورة

Tagged:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *