Home / اقتصاد / الاستثمارات الكبيرة بين الواقع الاقتصادي و أمنيات المواطن

الاستثمارات الكبيرة بين الواقع الاقتصادي و أمنيات المواطن

أسامينا

اولا : الة حاسبة في يد ابي عبد الله والاحلام بالمليارات

جلس ابو عبد الله، المواطن البسيط، على طاولة المطبخ في بيته المتواضع، وامسك الة حاسبة قديمة اشتراها من سوق المستعمل قبل سنوات. رفع نظارته على جبهته، واخذ يقرا من الاخبار التي تتداولها القنوات:
“توقيع مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات مع الحكومة السورية… في المنتدى الاخير 12 مليار، وفي المنتدى السعودي 7 مليارات، ومع القطريين 7 مليارات، ومع الاماراتيين 5 مليارات، مع وعود بتقديم 10 مليارات اخرى.”

ابتسم ابو عبد الله وهو يتمتم:
“يا ولد… هاي ارقام ما بتجي حتى بالاحلام.”
ثم بدا بجمع المبالغ:
12 + 7 + 7 + 5 + 10 = 41 مليار دولار.
قال في نفسه: “طيب، اذا الدولار بـ 10,000 ليرة… معناها المبلغ بالليرة هو 410,000 مليار!”

وبحركة واثقة، قسم الرقم على 20 مليون، عدد سكان سوريا المفترض:
410,000 مليار ÷ 20,000,000 = 20.5 مليون ليرة لكل فرد.

لم يكتف بذلك، بل ضرب الرقم بعدد افراد اسرته: هو، زوجته، وستة اطفال:
20.5 مليون × 8 = 164 مليون ليرة.
ضحك ملء شدقيه: “يعني بكرا بيجوا بيعطونا هالمبلغ، ومنخلص من الديون، ومنغير البراد، ومنشتري سيارة، ومنعمل صيانة للبيت.”

ثانيا : من حسابات ابو عبد الله الى رؤية المحلل الاقتصادي

الحقيقة ان ابا عبد الله ليس ساذجا كما قد يظن البعض، فهو يستخدم منطقا بسيطا قائما على تقسيم الكعكة مباشرة بين الجميع، وهي طريقة يفكر بها كثير من المواطنين. لكن الاقتصاد الحقيقي اكثر تعقيدا بكثير.

فالاستثمارات الموعودة، سواء كانت عبر مذكرات تفاهم او عقود نهائية، لا تتحول الى اموال نقدية توزع مباشرة على الافراد. بل تمر عبر سلسلة من المراحل الاقتصادية، تتطلب وقتا، وتحتاج بيئة عمل مناسبة، وتترجم في النهاية الى مشروعات انتاجية او خدمية، ومن ثم الى فرص عمل، وتحسين بنية تحتية، وزيادة في الانتاج، وهو ما ينعكس لاحقا على المستوى المعيشي.

ثالثا : من الماكرو الى المايكرو: كيف ينتقل الاثر الاقتصادي؟

عند الحديث عن المليارات التي توقع في المؤتمرات، نحن نتحدث اولا عن المستوى الكلي للاقتصاد (Macro Economy)، حيث تظهر هذه الارقام كزيادة في حجم الاستثمارات الاجنبية المباشرة، وارتفاع في مؤشرات الثقة الاقتصادية، وتحسن متوقع في تدفق راس المال.

لكن المواطن، مثل ابي عبد الله، يهتم بالمستوى الجزئي (Micro Economy) اي اثر هذه الاستثمارات على حياته اليومية: دخله، اسعار السلع، فرص العمل المتاحة. وهنا تاتي اهمية المستوى الوسيط او ما يسمى بـ ميزو ايكونومي (Meso Economy)، وهو مجموعة السياسات والاليات التي تنقل الاثر من المستوى الكلي الى الجزئي.

رابعا : اليات تحويل المنفعة الى المواطنين

لكي يشعر المواطنون بثمار هذه المشاريع، هناك مسارات اساسية يجب ان تعمل بفعالية:

  1. تنفيذ المشاريع على الارض
    لا يكفي توقيع العقود، بل يجب ان تبدا عمليات البناء والتجهيز والانتاج.
  2. خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة
    المشاريع الكبرى تحتاج عمالة محلية، وهو ما يوفر وظائف ويخفض البطالة.

تحفيز القطاعات المرتبطة
اي مشروع استثماري يخلق طلبا على مواد البناء، النقل، الخدمات اللوجستية، وغيرها، مما ينعش قطاعات متعددة.

  1. زيادة الايرادات العامة للدولة
    من خلال الضرائب والرسوم، مما يمكن الحكومة من تمويل خدمات الصحة والتعليم والبنية التحتية.
  2. تحسين بيئة الاعمال
    عندما يرى المستثمرون ان المشاريع تنفذ بنجاح، يزداد تدفق الاستثمارات، فينشأ تاثير تراكمي ايجابي.
  3. رفع مستوى دخل المواطن وتوسيع قدرته الاستهلاكية
    زيادة دخل الفرد ليست فقط هدفا اجتماعيا، بل ضرورة اقتصادية لتوسيع سوق الاستهلاك المحلي، وهو ما يحفز الانتاج الوطني ويشجع المستثمرين على التوسع، لان السوق النشطة هي الضمان الاكبر لاستدامة اي مشروع.

خامسا : التحدي الاكبر: العقوبات الامريكية

السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن تشييد هذه المشاريع في ظل العقوبات الامريكية المفروضة على سوريا، وفي مقدمتها “قانون قيصر”؟

الاجابة تاتي من ملاحظة التطورات السياسية الاخيرة. فقد وعد

الاجابة تاتي من ملاحظة التطورات السياسية الاخيرة. فقد وعد الرئيس الامريكي برفع العقوبات او على الاقل تجميد بعضها، وهو يملك صلاحية اصدار اعفاءات خاصة تسمح بتنفيذ مشاريع معينة، حتى قبل ان يقر الكونغرس اي تعديل تشريعي.

لكن الاهم من ذلك كان المشهد السياسي الذي رافق توقيع الاتفاقيات، حيث حضر المبعوث الامريكي الخاص الى سوريا بنفسه حفل التوقيع، وفي مستهل كلمته نقل تحيات الرئيس الامريكي دونالد ترامب الى الحاضرين. هذه البادرة لم تكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل رسالة سياسية واقتصادية قوية تحمل دلالات واضحة على دعم الادارة الامريكية للعملية الاستثمارية في سوريا، وتشجيع الاطراف الدولية على الانخراط في هذه المشاريع دون خشية من العقوبات.

ورغم عدم وجود شركات امريكية بشكل مباشر في هذه الاتفاقيات، فان الحضور الامريكي الرسمي بهذا المستوى، مقرونا بكلمات دافئة واشارات ايجابية، يمثل ضوءا اخضر سياسيا، يبعث الثقة في اوساط المستثمرين الاقليميين والدوليين، ويمهد الطريق لتدفق اموال وامكانات قد تغير ملامح الاقتصاد السوري خلال السنوات القادمة.

سادسا : بين الحلم والواقع

ابو عبد الله، بالته الحاسبة، يلخص حلم المواطن السوري الذي يتمنى ان تتحول المليارات الموقعة الى رفاهية فورية. لكن الواقع الاقتصادي يعمل بوتيرة ابطا واكثر تعقيدا، حيث تمر الاموال عبر مشاريع واستثمارات وخطط تنفيذية قبل ان تصل اثارها الى مستوى دخل الفرد.

واذا ما سارت هذه المشاريع وفق ما هو مخطط، وبوجود بيئة قانونية تسمح بتدفق الاموال حتى في ظل العقوبات، فان الاثر قد يبدا بالظهور خلال سنوات قليلة، عبر فرص عمل، وتحسن في الخدمات، واستقرار في الاسعار، وتوسيع قاعدة الاستهلاك المحلي.

وفي النهاية، يمكن القول ان الطريق بين المليارات على الورق، والملايين في جيب طويل و لكنه ليس مستحيل

المصدر سيريا موريس

Tagged:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *