التخطيط الاستراتيجي شرط اساسي للنجاح السياسي و الاقتصادي
آلاء هشام عقدة
لا تقاس قوة الدول اليوم بحجم ما تملكه من موارد طبيعية أو مالية فحسب، بل بقدرتها على إدارة هذه الموارد و توجيهها ضمن رؤية واضحة للمستقبل. فالفارق الحقيقي بين دولة تدار يوميا” لتسيير شؤونها، ودولة تتقدم بثبات نحو موقع متقدم في النظام الدولي، يكمن في امتلاكها منظومة تخطيط استراتيجي قادرة على رسم المسار التنموي على المدى الطويل.
الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي و تاسيس الشركات القابضة بينّ لـ” الحرية” أنه من هذا المنطلق، لم يعد التخطيط الاستراتيجي الوطني مجرد أداة إدارية أو وثيقة رسمية تعد لأغراض شكلية أو إعلامية، بل أصبح الإطار الفكري و المؤسسي الذي يحدد الاتجاه العام للدولة، يضبط السياسات الاقتصادية و الاجتماعية، و يمنح صانع القرار القدرة على التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية بوعي و استباقية.
التخطيط الاستراتيجي على مستوى الدول هو عملية وطنية شاملة تستهدف صياغة صورة واضحة لمستقبل الدولة خلال العقود القادمة. تبدأ هذه العملية بتحديد رؤية وطنية طويلة الأمد تعكس الطموحات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية، ثم ترجمتها إلى أهداف استراتيجية قابلة للتنفيذ، و يتطلب ذلك تحليلا” عميقا” للواقع الداخلي للدولة، بما يشمله من بنية اقتصادية و مؤسسات سياسية و تركيبة اجتماعية، بالتوازي مع دراسة البيئة الإقليمية والدولية و ما تحمله من فرص وتحديات. من خلال هذا التحليل المتكامل يتم اختيار السياسات و المسارات القادرة على تحقيق الاستقرار و التنمية المستدامة بأعلى كفاءة ممكنة. ويوضح الزنبركجي أنه بصيغة أكثر تبسيطًا، فإن التخطيط الاستراتيجي يجيب عن ثلاثة أسئلة مصيرية: أين تقف الدولة اليوم، و إلى أين تريد أن تصل في المستقبل، و ما هو المسار الأكثر كفاءة لتحقيق ذلك من دون استنزاف مواردها أو تعريض استقرارها للمخاطر.
أهمية التخطيط الاستراتيجي
وتكمن هذه الأهمية في كونه يمثل العقل المفكر للدولة قبل اتخاذ القرار، إذ يضمن توحيد الاتجاه الوطني و يحول السياسات العامة من إجراءات متفرقة إلى مشروع وطني متكامل. فعندما تكون الرؤية الوطنية واضحة، تصبح خطط الوزارات و المؤسسات الحكومية أكثر انسجاما”، و تتحول الجهود المتناثرة إلى منظومة عمل متكاملة تتجه نحو أهداف محددة. كما يسهم التخطيط الاستراتيجي في تحسين إدارة الموارد الوطنية.
وأشار الزنبركجي إلى أن الدول التي تفتقر إلى رؤية بعيدة المدى غالبا” ما تهدر مواردها المالية والطبيعية والبشرية في مشاريع غير مترابطة أو ذات أثر محدود، كما يحدث في سوريا حاليا”، في حين أن الدول التي تعتمد التخطيط الاستراتيجي توجه مواردها نحو أولويات تنموية قادرة على تحقيق أثر مستدام.
قدرة على مواجهة الأزمات
ويبين الزنبركجي أنه من زاوية أخرى، يوفر التخطيط الاستراتيجي قدرة أعلى على الاستعداد للأزمات والتحولات، خصوصا” في عالم يشهد تغيرات اقتصادية و سياسية متسارعة. فالتخطيط الاستراتيجي لا يمنع الأزمات بطبيعة الحال، لكنه يحد من آثارها ويمنح الدولة القدرة على التكيف معها بمرونة أكبر. كما أن امتلاك رؤية استراتيجية واضحة يعزز مكانة الدولة إقليميًا ودوليا”، إذ يسمح لها بالتحرك ضمن سياسة مدروسة تقوم على بناء النفوذ من خلال التنمية والاستقرار والقوة الناعمة، بدل الاكتفاء بردود الفعل الآنية على التحولات الخارجية.
رفع كفاءة الأداء
إضافة إلى ذلك، يسهم التخطيط الاستراتيجي في رفع كفاءة الأداء الحكومي، لأن كل مؤسسة تدرك دورها ضمن الإطار العام للخطة الوطنية، الأمر الذي يقلل من الازدواجية في العمل الحكومي و يرفع جودة الخدمات العامة ويعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
ونوه الزنبركجي بأنه رغم هذه الأهمية، تقع بعض الدول في خطأ شائع يتمثل في الخلط بين التخطيط الاستراتيجي والتخطيط الحكومي. فالتخطيط الحكومي يركز على إدارة البرامج السنوية والموازنات وتنفيذ الخدمات اليومية، وهو عنصر مهم لضمان استمرارية العمل الحكومي، لكنه لا يكفي بمفرده لصياغة مستقبل الدولة. أما التخطيط الاستراتيجي فيتعلق بالصورة الكبرى، أي بالشكل الذي يجب أن تكون عليه الدولة بعد عقدين أو ثلاثة عقود. ومن هنا فإن الخلل الحقيقي لا يكمن في ضعف التنفيذ اليومي، بل في إدارة الدولة بكفاءة تشغيلية عالية من دون امتلاك رؤية استراتيجية واضحة توجه هذه الكفاءة نحو أهداف بعيدة المدى.
آثار تدريجية
إن غياب التخطيط الاستراتيجي لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار فوري، لكنه ينشىء أزمات تراكمية تظهر آثارها تدريجيا”. فعندما تغيب الرؤية بعيدة المدى تتخذ القرارات تحت ضغط الواقع أو الرأي العام من دون انسجام طويل الأمد، ما يؤدي إلى تكرار الأخطاء وتناقض السياسات. كما إن غياب الاتجاه الواضح يفقد الدولة هويتها التنموية، فلا يعرف المواطن ولا الشركاء الدوليون إلى أين تتجه السياسات العامة.
في ظل هذا الغياب تصبح الموارد العامة عرضة للاستنزاف، حيث تنفذ مشاريع من دون دراسة استراتيجية شاملة، و يزداد الإنفاق دون تحقيق عائد تنموي حقيقي.
مع مرور الوقت تتراجع القدرة التنافسية للدولة مقارنة بالدول التي تخطط لمستقبلها بوضوح، فتجد نفسها في موقع رد الفعل بدل المبادرة. كما إن غياب السيناريوهات البديلة يجعل الدولة أكثر هشاشة أمام الصدمات الاقتصادية أو السياسية أو الصحية، لأن المؤسسات لم تبن أساسا” على مبدأ إدارة المخاطر والاستعداد للمتغيرات.
مؤشرات عدة
يمكن ملاحظة غياب التخطيط الاستراتيجي في سوريا من خلال مجموعة من المؤشرات التي تظهر عادة في بنية الإدارة العامة، مثل تضارب السياسات بين الجهات الحكومية، وتغير الأولويات الوطنية مع كل مرحلة من دون تفسير واضح، و اعتماد نجاح المؤسسات أو فشلها على أشخاص بعينهم بدل الاعتماد على منظومات مؤسسية مستقرة.
ويختتم الزنبركجي بأن التخطيط الاستراتيجي للدول، ليس خيارا” سياسيا” يمكن الاستغناء عنه، بل أصبح ضرورة وجودية لضمان الاستقرار والتنمية في عالم يتسم بالتنافس والتغير السريع. فالدولة التي لا تخطط لمستقبلها تتركه عمليا” رهينة للظروف والتقلبات الخارجية.
إذ تشير التجارب الخارجية بوضوح إلى أن الدول لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالضعف التدريجي عندما تفقد بوصلتها الاستراتيجية، و عندما تتحول إدارة الدولة من مشروع طويل الأمد إلى مجرد إدارة يومية للأزمات.
الحرية






