الصراع الإعلامي بين تشكيل الوعي ومعركة العقول في عصر المعلومات
أسامينا- خاص
لم تعد الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات فقط، بل انتقلت جبهات القتال إلى شاشات التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الصحف.
يُشكِّل الصراع الإعلامي ساحة المعركة الأكثر خطورة في عصرنا، حيث تُحاول الأطراف المتنافسة – دولاً، وجماعات سياسية، ومصالح اقتصادية، وجماعات ضغط، السيطرة على العقل الجمعي وتوجيه الرأي العام وفقاً لأجنداتها.
ولم يعد الإعلام مجرد ناقل محايد للأحداث، بل تحوّل إلى فاعل رئيسي في صناعة الواقع وتشكيل الوعي، بل وإعادة تشكيله.
جوهر تشكيل الوعي
هذه المعركة المستمرة على القلوب والعقول هي جوهر عملية تشكيل الوعي، تلك العملية المعقدة التي تحدد كيف نفهم أنفسنا، والعالم من حولنا، والقضايا المصيرية التي تمس حاضرنا ومستقبلنا.
فالسيطرة على السردية الإعلامية تعني، في جوهرها، السيطرة على الحقيقة كما يراها الجمهور.
لكن ثمة تفاصيل جوهرية عن الصراع الإعلامي وتأثيره على تشكيل الوعي يتمثل في:
طبيعة الصراع الإعلامي من حيث تعدد الأطراف، فهو لا يقتصر على صراع حكومة ضد معارضة، بل يشمل صراعات بين دول (حروب باردة إعلامية)، أحزاب سياسية متنافسة، شركات تسعى للهيمنة، جماعات إيديولوجية (دينية، قومية، علمانية)، وحتى أفراد مؤثرين.
أما أدوات الصراع فهي: الإعلام التقليدي (قنوات فضائية، إذاعات، صحف)، الإعلام الرقمي (مواقع إخبارية، مدونات)، وخاصة منصات التواصل الاجتماعي (تويتر، فيسبوك، تيك توك، إنستغرام) التي فتحت ساحات قتال مفتوحة للجميع.
فماذا عن استراتيجيات الصراع..
إنها تقوم على الإطارات أي تقديم القضية من زاوية محددة لتوجيه التفسير.
وأيضاً تحديد الأولويات، اختيار ما يُنشر وما يُهمل، وما يُعطى أولوية في التغطية.
بالنسبة للبوابة الإعلامية (Gatekeeping): تقوم على التحكم في تدفق المعلومات وفلترتها، أي تعزيز الانقسام بين المجموعات وتضخيم الخلافات.
أيضاً التلاعب العاطفي: استثارة الخوف، الكراهية، التعاطف، الفخر الوطني لتحقيق أهداف.
آليات..
آليات تشكيل الوعي من خلال الصراع الإعلامي تتضمن بناء الواقع الاجتماعي، فالإعلام لا ينقل الواقع فحسب، بل يساهم في بنائه في أذهان المتلقين من خلال السرديات المهيمنة والصور المتكررة.
لاشك أن الصراع الإعلامي من أجل تشكيل الوعي ليس ظاهرة عابرة، بل هو السمة المميزة لعصر المعلومات، إنه صراع على الرواية، على الحقيقة كما تُعرض، وعلى مستقبل المجتمعات. ومواجهة هذا الصراع تتطلب أكثر من مجرد وعي فردي؛ فهي تستلزم **تعزيز التربية الإعلامية (Media Literacy) على نطاق واسع، ودعم الإعلام المستقل والمهني، ووضع ضوابط شفافة لمنصات التواصل دون المساس بحرية التعبير، والسعي الدؤوب من قبل الأفراد لتنويع مصادرهم والتحقق من المعلومات ومقارنة الروايات. الفائز في هذه المعركة ليس مجرد طرف سياسي أو اقتصادي، بل هو الوعي الجمعي القادر على التمييز والحكم، والمجتمع القوي المتماسك القائم على الحقائق والتفاهم المشترك.






