القانون الذي قد يقلب الشرق الأوسط رأسًا على عقب
أسامينا
شمعوه بالشمع الاحمر
H.R.4397…
هناك لحظات في السياسة تشبه صوت الباب الحديدي عندما يُفتح في غرفة مظلمة… لا تدري إن كان يقودك إلى خلاص أو إلى هاوية جديدة. مشروع القانون الأمريكي H.R.4397 هو واحد من تلك الأبواب الثقيلة. مجرد صفحة واحدة منه كافية لتفهم أننا أمام حدث ليس عابرًا، بل جزء من معركة أعمق بكثير مما يبدو على سطح الورق.
القانون بعنوان صريح حدّ الوقاحة: “إلزام رئيس الولايات المتحدة بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية أجنبية، وتوجيه وزير الخارجية لإعداد تقرير مفصل للكونغرس حول خطوات التصنيف ولغايات أخرى”. في السياسة الأمريكية، كلمة “إلزام” ليست كلمة عادية… بل يعني أن الكونغرس يريد أن يجرّ الرئيس من يده نحو قرار محدد، قرار يغيّر خرائط ويكسر تحالفات وينشّف منابع تمويل ويفتح أبواب صفقات قادمة.
تاريخ القانون: 15 يوليو 2025.
الكونغرس: الدورة 119.
المقدّمون: خليط من نواب ديمقراطيين وجمهوريين، وهذا وحده يدق جرس إنذار. لأن أي قانون يجمع الطرفين في لحظة استقطاب أمريكي خانق، هو قانون ليس من النوع المحلي… بل من النوع العابر للحدود، المصوغ بعناية ليخدم إعادة هيكلة كاملة في منطقة ما. والمنطقة المقصودة هنا واضحة: الشرق الأوسط، والعالم العربي تحديدًا.
لماذا الآن؟ لماذا في هذا التوقيت الذي فيه واشنطن تعيد هندسة وجودها في المنطقة بعد عقدين من الفوضى؟ الإجابة أبسط مما تبدو: لأن أمريكا تريد تثبيت تحالفات جديدة، وتحجيم محاور قديمة، واستعادة زمام المبادرة التي فقدتها في عهد إدارات مترددة. ولأن الإخوان — بما يمثلونه من شبكة سياسية تمتد من قطر إلى تركيا، ومن ليبيا إلى اليمن، ومن المعارضة السورية إلى مؤسسات في أوروبا — يشكلون حجرًا على رقعة الشطرنج ما زال يتحرك رغم كل الضربات. القانون إذن ليس عن “الإخوان” فقط… بل عن المحور القطري–التركي، عن النفوذ في سوريا، عن الممرات البحرية، عن الغاز، عن خارطة الحرب الباردة الجديدة بين “دولة القانون الأمريكية” ومحور القوى الطامحة شرقًا وغربًا.
إذا مرّ هذا القانون — أو حتى لو بقي مجرد سيف معلق فوق الرقاب — فإنه سيؤدي إلى ارتدادات هائلة. أول ارتداد سيكون اقتصاديًا: تجميد أصول وشبكات، حظر سفر، تجفيف موارد مالية، ومعاقبة أي دولة أو مؤسسة تتعاون مع التنظيم. الارتداد الثاني سياسي: الضغط على حكومات المنطقة لتحديد موقف واضح، ما يعني أن دولًا مثل تركيا ستجد نفسها أمام لحظة “اختيار مُر” بين مصالحها مع واشنطن ومشروعها العقائدي. أما قطر، فستدخل في معركة دفاع شاملة عن أكبر شبكة نفوذ بنتها خلال 20 سنة… شبكة استثمرت فيها مئات المليارات.
والارتداد الثالث — وهو الأكثر خطورة — هو إعادة تشكيل القوى داخل الدول العربية التي تعيش فراغًا سياسيًا هائلًا بعد الربيع العربي. في سوريا مثلًا، الإخوان كانوا دائمًا ورقة تستخدمها قوى دولية في لحظة الحاجة، وتُرمى في سلة المهملات عند تبدّل الاتجاهات. تصنيف الجماعة سيعني تغيّر موقع عشرات الشخصيات والتيارات، وسيجبر المعارضة السورية على إعادة ترتيب بيتها بطريقة جذرية، وقد يفتح الباب لمرحلة “تصفية سياسية” واسعة النطاق.
لكن ما هو خلف القانون أخطر من القانون نفسه. خلفه رغبة واضحة لدى واشنطن بقطع الطريق أمام تمدد نفوذ “المحور المناهض” في المنطقة، سواء كان صينيًا أو روسيًا أو إيرانيًا. وهو أيضًا جزء من معركة أكبر تُخاض اليوم: من سيكون شريك أمريكا الأول في الشرق الأوسط الجديد—السعودية؟ الإمارات؟ مصر؟ إسرائيل؟ أم طرف ثالث لم يُحسم أمره بعد؟ القانون يشبه رسالة مشفرة تقول: “نحن نعيد رسم قواعد اللعبة… اختاروا مقاعدكم قبل أن ينطفئ الضوء”.
قد يقول قائل: هذه مجرد ورقة تشريعية لن تمر. قد يكون محقًا. لكن في السياسة الأمريكية، مجرد تقديم الورقة هو حدث. مجرد النقاش حولها هو مؤشر. ومجرد وجود دعم ثنائي لها يعني أن السياسات تتحرك خلف الستار بطريقة لا يشعر بها إلا من يقرأ رائحة الأحداث قبل كلماتها.
مشروع H.R.4397 ليس ورقة ضد جماعة… بل إعلان عن مرحلة جديدة بالكامل. أشبه بطلقة البداية لسباق إعادة ترتيب الشرق الأوسط. لا يتعلق بالإخوان وحدهم، بل بالمحاور، بالمصالح، بالسعودية وتركيا وقطر ومصر وسوريا وإسرائيل. يتعلق بمن سيجلس على الطاولة، ومن سيؤكل على الطاولة. وهذه المرة، الباب الذي يُفتح لن يُغلق بسهولة… ومن لا يدخل الآن، سيدخله الآخرون عنه، وربما يُغلق خلفه إلى الأبد.






