المسؤول الذي يعمل من المطارات…غياب المكتب الدائم
أسامينا
لم يعد غياب المسؤول عن مكتبه حالة استثنائية، بل أصبح سياسة عمل.
المكتب تحوّل إلى أثرٍ تاريخي،
والكرسي ينتظر صاحبه كما تنتظر محطة مهجورة قطاراً لم يعد يمرّ بها.
فالمسؤول المعاصر يدير الدولة من صالات الانتظار، ومنصّات الصعود إلى الطائرات، ومن بهو الفنادق الفاخرة…
كل شيء إلا المكتب.
سفر دائم
لا أحد يعرف متى كان آخر يوم عمل فعلي له.
يظهر فقط بين سفرتين، يوقّع ورقة على عجل، يلتقط صورة بروتوكولية، ثم يختفي مجدداً نحو “مهمة عاجلة” لا تُثمر سوى منشور جديد على صفحات المؤسسات. وباسم “الوفود الرسمية”، تتحول (ميزانية الدولة) إلى تذاكر سفر، وبدل إقامة، ومؤتمرات تكلف الواحدة منها ما يكفي لإصلاح مدرسة، أو إنارة حي، أو تشغيل محطة كهرباء صغيرة.
متابعة المواطن الصامت
أما المواطن، فمهمته متابعة صور “الإنجاز” من الخارج: صورة في الفندق، صورة في المؤتمر، صورة مع وفد لا يعرف لماذا اجتمع. يعرف المواطن اسم الفندق من ديكور اللوبي، ودرجة السفر من شكل المقعد، لكنّه لا يعرف أبداً ماذا حقق المسؤول هناك.
وعود بلا أثر
الوعود دائماً مرتّبة ومبهرة: انفراج قريب، مشاريع قادمة، تحولات كبرى. لكن كل هذه الوعود تُصنع في المطارات وتتبخّر في الهواء قبل أن تصل إلى المكاتب المغلقة. فالكلمات لا تُنقذ اقتصاداً، ولا تخفّض أسعاراً، ولا تعالج فساداً…
خصوصاً عندما يكون قائلها مسافراً بشكل دائم.
نتائج على الأرض
وفي النهاية، ما يبقى على الأرض هو ميزانيات مستنزفة، ومكاتب مغلقة، وصور كثيرة…
صور تكلف ما يكفي لصناعة مستقبل، لكنها لا تصنع إلا وهماً جديداً..
يضحك المواطن ضحكته السوداء المعتادة: فقد تعلّم أن أكثر ما يُسكّن الألم هو السخرية، حين تكون النتائج صفرية، والحضور الرسمي غائباً…
والطائرة دائماً مستعدة للإقلاع.






