Home / أخبار سوريا / تحقيقات ومسوح ميدانية: سوريا تفتح ملفات الكيماوي والتلوث الإشعاعي

تحقيقات ومسوح ميدانية: سوريا تفتح ملفات الكيماوي والتلوث الإشعاعي

أسامينا

نور جوخدار

تُفتح اليوم ملفات ثقيلة من ذاكرة الألم السوري، ولكن بروح مختلفة تسعى للعدالة والمحاسبة واستعادة السيادة. تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الأخير، حول هجوم كفرزيتا بالكلور عام 2016، تحول من إدانة جديدة للنظام السابق، إلى خطوة إضافية في مسار طويل نحو المساءلة الدولية، يعكس تغيّراً نوعياً في قدرة فرق التحقيق على الوصول إلى الأدلة والعمل من داخل سوريا، بعد سنوات من العرقلة والتضليل.

في موازاة هذا المسار القضائي، تتحرك الحكومة السورية الجديدة على جبهة أخرى لا تقل أهمية عبر استعادة السيادة على الحقول النفطية التي تحوّلت، خلال سنوات الحرب، إلى بؤر للتلوث الإشعاعي والبيئي بسبب ممارسات غير آمنة لتنظيمات مسلّحة. وبالتعاون مع هيئات علمية وطنية، بدأت عمليات مسح إشعاعي وخطط معالجة بيئية تهدف إلى إعادة تأهيل تلك المناطق الحيوية.

بين كفرزيتا وحقول دير الزور، محاولة لبناء ثقة جديدة بين الدولة والمجتمع، عنوانها الشفافية، والمحاسبة، واستعادة ما فُقد من سيادة وعدالة وكرامة، ففي إطار المطالبات الدولية والمحلية بمحاسبة جرائم نظام بشار الأسد، فتح تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الأخير حول الهجمات التي وقعت في مدينة كفرزيتا، والتي وصفت بأنها “هجمات بغيضة”، بابا جديدا أمام مسار المساءلة الدولية، وإثباتا رسميا بتورط النظام المخلوع ومسؤوليه في استخدام السلاح الكيميائي ضد الشعب السوري.

مسار المساءلة مستمر

وفي هذا السياق، أكد مندوب سوريا الدائم لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، الدكتور محمد كتوب، أن مسار المساءلة مستمر، وأن سقوط نظام الأسد لا يعني توقف التحقيقات، بل على العكس هيأ فرصة للوصول إلى المزيد من الأدلة. موضحا أن نظام الأسد، وعلى مدار سنوات، قيد عمل لجان التحقيق ومنع وصولها إلى البلاد، ومارس الضغوط على الشهود، وعمل على التلاعب بالأدلة. ورغم ذلك، أصدر فريق التحقيق وتحديد الهوية التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تقارير وفق منهجيات صارمة تعتمد على تحليل الأدلة بشكل علمي دقيق جدا، خلصت إلى إدانة النظام باستخدام الأسلحة الكيميائية في تقارير سابقة رغم كل الضغوط التي مارسها.

تحقيقات ومسوح ميدانية: سوريا تفتح ملفات الكيماوي والتلوث الإشعاعي

وأوضح الدكتور كتوب، في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذا أول تقرير يصدر عن فريق التحقيق وتحديد الهوية بعد التحرير، وقد اعتمد منهجيات التحقيق نفسها التي اعتمدت قبل التحرير، مع فرق جوهري أساسي، وهو أن الفريق استطاع، وللمرة الأولى، العمل من دمشق، والوصول إلى وثائق أصلية تساهم في تحديد الفاعلين، واستطاع مقابلة شهود، وللمرة الأولى، على الأراضي السورية. 

واعتبر المندوب كتوب، أن هذه رسالة للمجرمين بأن مسار التحقيقات مستمر ولن يتوقف بفرارهم خارج البلاد، بل على العكس باتت الفرصة الآن أكبر للوصول إلى الأدلة والمعلومات. وهي رسالة أيضا للمجتمع الدولي أن هؤلاء المجرمين ما زالوا يشكلون خطرا، وعلى جميع الدول التعاون مع أجهزة القضاء السورية لتسليمهم للعدالة.

مطالبات دولية.. وتحقيقات مؤكدة

وطالبت دول عديدة بمحاسبة الأسد، من بينهم الحكومة البريطانية التي دعت، على لسان مبعوثتها الخاصة إلى سوريا آنا سنو، إلى محاسبة نظام بشار الأسد المخلوع، تعليقا على تقرير المنظمة، مؤكدة عبر حسابها في منصة “إكس” أن التقرير “يثبت مسؤولية نظام الأسد عن هجوم الكلور الذي وقع عام 2016 في كفرزيتا”.

وفي هذا الصدد، أشار المندوب الدائم إلى أن الملف في حقبة الأسد كان يدار من قبل مجموعة من المجرمين. مؤكدا أن الحكومة السورية تبذل جهودا واسعة في التعاون مع فرق التحقيق والتفتيش الدولية، وتهدف هذه الجهود أولا إلى تعقب أي بقايا للأسلحة الكيميائية بغية تدميرها حرصا على سلامة المجتمع السوري، وثانيا إلى تحديد كافة المسؤولين عن استخدام الأسلحة الكيميائية وملاحقتهم لتسليمهم إلى آليات المساءلة الوطنية السورية. وتشمل هذه الجهود إتاحة الوصول إلى مواقع مشتبه بها، وتسليم أدلة ووثائق رسمية، وتيسير مقابلات مع شهود، إضافة إلى عمل واسع على بناء قدرات الفرق الوطنية والتنسيق بين عدة وزارات منخرطة في هذا المسار، والتعاون مع عدة دول شقيقة وصديقة تعمل على دعم الجهود السورية في هذا الملف.

ومن جهته، أكد مدير مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا، نضال شيخاني، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية كان جزءا مهما من هذه التحقيقات، وشارك فريق التحقيق وتحديد الهوية في تحقيق كفرزيتا وتحقيقات أخرى مثل مارع واللطامنة وسراقب ودوما. مشيرا إلى أن الفريق أكد وجود منهجية متكررة لاستخدام السلاح الكيميائي في هذه المناطق، وأن جميع التقارير خلصت إلى تورط النظام السوري في هذه الجرائم.

هذا التقرير عززه تحقيق استقصائي أجرته قناة الجزيرة بعنوان “تسريبات فلول الأسد.. الاختراق الكبير”، استند فيه إلى آلاف الدقائق من التسجيلات الصوتية والوثائق والحسابات المخترقة لرموز النظام المخلوع، وأثبت فيه أن قرار استخدام السلاح الكيميائي اتخذ مباشرة من قبل المخلوع بشار الأسد.

وكشف التحقيق، من خلال تنصت مباشر على هاتف مستشار الأسد الأمني والمسؤول عن ملف الأسلحة الكيميائية في النظام، أن الأسد وجه أمرا إلى المنسق بديع علي مع القوى الجوية بالقصف بالأسلحة الكيميائية، وذلك بالتعاون مع العميد، مسؤول وحدة الكيمياء، غسان عباس الذي توفي لاحقا بسكتة قلبية، وفق ما ورد في التسجيلات.

وفيما يتعلق بالمسار القضائي، أضاف المندوب الدائم أن جهودا واسعة تبذل من قبل وزارات العدل والداخلية والدفاع، وبالتنسيق مع هيئة العدالة الانتقالية، للتحقيق وتعقب الأدلة وملاحقة المتورطين باستخدام الأسلحة الكيميائية. وهناك تقدم ملموس في هذا الملف. موضحا أن رؤية سوريا تتمركز حول مسار مساءلة وطني سوري لكل الجرائم التي ارتكبت في حقبة النظام المخلوع، بالتعاون مع أجهزة التحقيق الدولية والدول الداعمة لهذا المسار.

جرائم لا تسقط بالتقادم

وكان السيد الرئيس أحمد الشرع قد أكد مرارا أن الجرائم التي ارتكبها النظام المخلوع لا تسقط بالتقادم، وأن محاسبة مرتكبيها جزء أساسي من مسار العدالة والمساءلة الذي تتبناه الحكومة السورية الجديدة، ويجري ترجمة ذلك عبر التعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لإنهاء إرث الكيماوي الذي خلفه النظام في حياة السوريين.

وحظي هذا المسار بترحيب واضح وثناء على الجهود والالتزامات التي أعلنها الرئيس الشرع، فقد قال المدير العام للمنظمة فرناندو أرياس: “نرحب بالمساعدة التي تلقيناها من السلطات السورية الجديدة، ما يشكل أول تعاون للجمهورية العربية السورية مع تحقيق يجريه فريق التحقيق والتعرف”. 

وأضاف: “يوفر هذا التقرير أدلة إضافية على نمط من الاستخدام المنهجي للمواد السامة كأسلحة من قبل السلطات السورية السابقة ضد شعبها، وقد أصبحت استنتاجاته بعهدة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول الأطراف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية”.

تدمير ممنهج على كافة المستويات

في موازاة الملف الكيميائي، يبرز ملف التلوث البيئي الإشعاعي. ففي الوقت الذي كان فيه الأسد وحلفاؤه يقصفون الشعب السوري، كان على الضفة الأخرى تنظيم “قسد” و”داعش” يعرضون حياة السوريين لمخاطر التلوث الإشعاعي البيئي عبر استخدام حقول النفط بطرق بدائية، عن طريق حرق النفط الخام عبر حراقات بدائية الصنع.

تحقيقات ومسوح ميدانية: سوريا تفتح ملفات الكيماوي والتلوث الإشعاعي

وبعد تحرير الجيش العربي السوري حقول النفط من سيطرة تنظيم “قسد”، وفي إطار سعي الحكومة السورية إلى استعادة السيادة وإعادة الإعمار في مواقع الإنتاج الحيوية، قام فريق من هيئة الطاقة الذرية السورية بمسح إشعاعي. وبحسب مدير مكتب شؤون النفط في الهيئة، محمد سعيد المصري، فإن معظم المنشآت النفطية ومحطة إزالة الرواسب في دير الزور تعرضت لتدمير واسع خلال الفترة الماضية، ما أدى إلى تلوث واسع بالمواد المشعة. ووفقا لنتائج المسوحات الإشعاعية، يقع التلوث ضمن حقول النفط وهي مناطق محصورة، وهي ليست مناطق زراعية. ويتم حاليا جمع عينات من التربة في المناطق الملوثة، وسيتم لاحقا جمع عينات من المياه الجوفية لفحصها إشعاعيا.

وأوضح المصري في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن المسوحات الإشعاعية التي قام بها الفريق تهدف إلى تحديد حجم ومساحة المناطق الملوثة ومستويات التلوث، لوضع إجراءات المعالجة المناسبة، وأن تحييد التلوث وحصره سيساعد العمال على إعادة تأهيل الحقول، بالتعاون مع الشركة السورية للبترول ووفق معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. مشيرا إلى أن الهيئة أشرفت وساهمت في تنفيذ مشاريع مماثلة خلال الفترة 1995-2006 في حقول النفط السورية، وعالجت مناطق ملوثة بالمواد المشعة الطبيعية.

وبيّن أن الهيئة قامت منذ التحرير بإعداد خطة شاملة شملت إعداد دورات تدريبية لتأهيل مسؤولي الصحة والسلامة في حقول النفط، وإجراء مسوحات إشعاعية، وإعداد خطط المعالجة، وحصر المعدات الملوثة، والبدء بإنشاء محطة متنقلة لتنظيفها، بالتنسيق مع الشركة السورية للبترول. معتقدا أنه ربما لتنفيذ المراحل السابقة تحتاج إلى دعم الجهات المانحة، سواء كانت محلية أو دولية.

وفي تقرير سابق لصحيفة “إندبندنت” البريطانية أشارت فيه إلى أن عدد تجمعات مصافي النفط البدائية في الشمال السوري بلغ نحو 330 تجمعا بين عامي 2013 و2017، تضم ما بين 10 آلاف و15 ألف مصفاة.

ووفق تقرير “آي كيو إير”، تصنف سوريا والعراق من بين الدول العشرين الأكثر تلوثا في العالم بالجسيمات الدقيقة المعروفة باسم “PM2.5″، متجاوزتين المستويات السنوية التي حددتها منظمة الصحة العالمية.

الثورة

Tagged:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *