حين يهبط ظلُّ القيصر…وتُطفأ الأنوار في الغرف الضيقة
أسامينا
زيارة “يفكوروف” إلى دمشق ليست حدثاً عابراً، ولا مروراً بروتوكولياً، ولا حتى رسالة سياسية من النوع المعتاد الذي تعوّد عليه الشرق المرهق من كثرة الزوار والوسطاء والوفود. وجود هذا الرجل بالذات يشبه دخول مدقق حسابات نهائي إلى شركة مفلسة تحاول إخفاء دفاترها… يشبه وصول صاحب القرار الحقيقي بينما لا تزال الواجهات المحلية تتظاهر بأن الأمور تحت السيطرة. يفكوروف ليس ضابطاً عادياً، ولا ممثلاً تقنياً لوزارة الدفاع، ولا رجل علاقات عامة. هذا رجلٌ يسير بصمت، لكنه يترك وراءه رائحة تُشبه رائحة “الأعمال غير المكتملة”. رجل يشبه الحروب التي صنعته وصنعها: صلبة، بلا مجاملة، وبلا خطوط رمادية. أينما حلّ، كان هناك شيء يُعاد تشكيله، أو شيء يُمحى للأبد. موسكو لا ترسله كي يتناول القهوة مع الجنرالات المحليين؛ ترسله عندما تكون اللعبة قد وصلت إلى مرحلة تتطلّب “يداً تعرف أين تضرب وكيف تُنهِي”.
والمثير أن بعض السوريين ما زالوا يتعاملون مع الحدث كأنه خبر صغير في ذيل نشرات المساء، وكأن الرجل الذي دخل دمشق لا يحمل خلفه جبالاً من الملفات المعقدة، ولا يُجيد لعبة إعادة توزيع القوى على الخارطة. يفكوروف نفسه نسخة متحركة من السياسة الروسية الصلبة: بنى سمعته على دم البلقان، وسوّى حساباته على ركام غروزني، وترسخ اسمه في مؤسسات القرار بعد تفكيكه المنهجي لآلة فاغنر… أي أنه يجمع بين خبرة الحروب القذرة وخبرة تطويع الميليشيات التي خرجت عن الطوق، وهذا بالضبط ما تحتاجه موسكو عندما تقرر أن الوقت حان لتصفية مرحلة وابتلاع مرحلة أخرى.
والذين يعرفون طريقة عمل الكرملين يدركون جيداً أنّ إرسال شخصية من هذا العيار هو إعلان غير معلن بأن موسكو باشرت “جردة جيوسياسية” داخل سوريا. ليس جردة عسكرية فقط، بل جردة ولاءات، وجردة مسارات اقتصادية، وجردة مراكز نفوذ باتت بالنسبة لها أكثر كلفة من فائدتها. البعض سيُعاد تدويره، البعض سيُجمد في مكانه، البعض سيُرفع إلى الواجهة من جديد، والبعض سيتم شطبه من المعادلة دون ضجة. يفكوروف ليس ناقلاً للرسائل… بل واضع شروط. الرجل الذي كان يوقّع أوامر اعتقال أئمة المساجد في أنغوشيا لأنه “خرج عن النص”، لن يتلعثم لحظة في فرض شروط على مجموعات محلية نهبت وسرقت وتوسعت لسنوات بحماية الادعاءات الفارغة. هو يعرف تماماً كيف تُدار الحواشي، وكيف تُقطع الأذرع عندما تكبر أكثر مما ينبغي.
والمرحلة القادمة لن تكون مرحلة مجاملات، فموسكو لم تعد تتحمّل رفاهية إدارة ساحات فوضوية تستهلك الجهد دون مردود. الحرب الأوكرانية كشفت هشاشة بعض المكونات في مؤسسة القرار الروسي، وفاغنر تركت فراغاً كان لا بد من ملئه بسرعة. ولذلك، يُعتبر وصول يفكوروف إلى دمشق إشارة على بداية إعادة ضبط إيقاع نفوذٍ تراه موسكو “كبيراً بما يكفي ليُعاقَب، وصغيراً بما يكفي ليُدار”. ومن لا يفهم هذه اللغة سيجد نفسه خارج المسرح قبل أن يدرك أن الستار قد أُسدل.
الزيارة ليست للإطمئنان، وليست لعرض عضلات، وليست أيضاً لتوقيع تفاهمات لطيفة. الزيارة أقرب إلى تقرير داخلي يُكتب بالحبر الأسود: من بقي ينفع؟ من بات عبئاً؟ من لا يزال يخدم مشروع موسكو؟ ومن صار يكلّف أكثر مما يستحق؟ ومن يحتاج “تأديباً سريعاً” حتى يعود إلى الصف؟ هذا النوع من الأسئلة لا يجيب عليه إلا رجال من طراز يفكوروف، رجال لا يصغون للحكايات المحلية ولا للرتوش الإعلامية، بل يقرأون الحقائق كما تُكتب في أرض الميدان.
إن هبوط يفكوروف في دمشق ليس حدثاً… بل فصل جديد في لعبة النفوذ. هو إعلان بأن القيصر لم يعد يقرأ الوضع السوري كملف يحتاج ترتيقات، بل كخريطة تحتاج إعادة تصميم. وإن كان في الزيارات السابقة فسحة للمجاملة، ففي هذه الزيارة لا مساحة إلا للعمل الحاسم. ومن اعتاد الاحتماء بالظلال سيفاجأ بأن الظلال نفسها بدأت تتبخر، وأن اليد التي طرقت باب دمشق هذه المرة لا تحمل نيات دبلوماسية… بل تحمل دفتر حسابات. دفتر لا يعرف الرحمة… ولا يحب الفوضى… ولا يترك خلفه شيئاً دون أن يُغلقه تماماً.






