سوريا على طريق صندوق النقد الدولي بلا اتفاق ولا تمويل: تقشّفٌ استباقي أم انزلاق نحو أزمة؟
أسامينا
عبد الله علي
سوريا على طريق صندوق النقد الدولي بلا اتفاق ولا تمويل: تقشّفٌ استباقي أم انزلاق نحو أزمة؟
لم تكن زيارة فريق صندوق النقد الدولي إلى دمشق مجرّد مهمة تقنية قصيرة لتقييم الأرقام ووضع قوائم توصيات عامة. البيان الختامي كشف شيئاً أبعد: سوريا شرعت فعلياً في تطبيق ملامح برنامج اقتصادي من نوع تلك التي يشرف عليها الصندوق، من دون اتفاق، ومن دون تمويل، ومن دون استئنافٍ للمشاورات الرسمية المعلّقة منذ عام 2009.
لغة البيان تبدو للوهلة الأولى “مطمئنة”:
حديث عن تعافي الثقة، وعودة أكثر من مليون لاجئ، وتبنّي سياسة مالية ونقدية صارمة.
لكن ما يقع بين السطور أهم من العناوين. فالمهمة التي قادها رون فان رودن تسجّل بوضوح أن الحكومة السورية تنفّذ إجراءات هي نفسها القواعد المعيارية لبرامج الإصلاح الهيكلي التي يفرضها الصندوق على الدول المتعثرة، ولكن هذه المرة من دون شبكة أمان اجتماعية أو سياسية واضحة.
قراءة متفائلة… لكن ناقصة
من جهة، يمكن فهم هذه الزيارة على أنها إشارة سياسية إلى خروج سوريا من مرحلة “الانهيار الكامل” إلى حالة استقرار نسبي تسمح بعودة النوافذ الاقتصادية الدولية. فبعض القراءات ترى في البيان دليلاً على “فرصة حقيقية لتعافٍ تدريجي”، مدفوعة بثلاثة عناصر أساسية:
– تخفيف تدريجي للعقوبات،
– انفتاح إقليمي متزايد،
– وعودة قسم من اللاجئين، ما يعيد جزءاً من القوى العاملة والطلب المحلي.
وتضيف هذه القراءة أن الصندوق لا يطرح وصفة غريبة، بل يطالب بإصلاحات يردّدها كثير من الخبراء المحليين منذ سنوات: ضبط الإنفاق، تطوير النظام الضريبي، وإعادة هيكلة النظام المصرفي، مع التركيز – نظرياً – على “زيادة المساحة المالية لدعم الفئات الأكثر ضعفاً”.
غير أن هذه القراءة، برغم وجاهة بعض عناصرها، تقف عند مستوى العناوين ولا تذهب إلى تفاصيل الكلفة وطريقة اتخاذ القرار. وهنا يبدأ الاختلاف.
موازنة 2026: إعداد مشترك وفرضيات “طموحة” للإيرادات
في الشقّ المالي، ركّزت المناقشات على صياغة موازنة 2026 “لزيادة الحيّز المالي لتلبية الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك للفئات الأكثر هشاشة”، مع التشديد على أن الموازنة ستُبنى على افتراضات طموحة ولكن واقعية للإيرادات والتمويل.
في لغة الصندوق، هذا يعني عملياً:
رفع الضرائب، أو خفض الإنفاق، أو مزيجاً منهما، مع تغليف ذلك بخطاب من نوع “إعادة توجيه الدعم” و“تحسين كفاءة الإنفاق”.
في بلد خرج من حرب طويلة، ويعاني أصلاً من تآكل الدخل الحقيقي وانكماش قاعدة الطبقة الوسطى، يصبح الحديث عن “ضبط الإنفاق” و“سياسات مالية مشددة” أقرب إلى إعلان موجة تقشّف جديدة، خصوصاً في ظل ضعف أدوات الحماية الاجتماعية وسقف الدعم.
إصلاح ضريبي وإعادة هيكلة: أين ستهبط الكلفة؟
البيان يروّج لنظام ضريبي “بسيط وتنافسي، مع تجنّب الإعفاءات السخية” وتقليص هوامش التهرّب. على الورق، هذا هدف لا يعترض عليه كثيرون. لكن في اقتصاد غير منظم إلى حدّ بعيد، حيث التهرب الضريبي غالباً ما يكون محمياً بشبكات النفوذ، يبرز خطر أن ينتهي “توسيع القاعدة الضريبية” إلى تحميل الفئات الأضعف عبئاً أكبر بينما ينجو من يمتلك القدرة على المناورة.
في الوقت نفسه، يتحدث البيان عن “إعادة هيكلة المؤسسات العامة” بالتوازي مع “مشاريع استثمارية كبيرة مع القطاع الخاص”، تحت مظلة “الحوكمة الرشيدة” وضرورة دور قوي لوزارة المالية في مراقبة الالتزامات المحتملة.
هذه اللغة مألوفة في كل برامج الخصخصة:
القطاع العام “مثقل وغير فعّال”،
القطاع الخاص “أكثر كفاءة”،
والدولة تتحوّل من مالك مباشر للأصول إلى “منظّم ومراقب”.
الخطر هنا أن تتحول إعادة الهيكلة إلى مسار نقلٍ هادئ للأصول العامة إلى أيدٍ خاصة، في ظل ضعف الشفافية وغياب نقاش مجتمعي حقيقي حول من يملك ماذا، وبأي شروط.
إصلاحات مطلوبة؟ نعم. لكن من يقرّرها؟ ومن يدفع ثمنها؟
قد يقال إن ما يطرحه صندوق النقد من إصلاحات—في النظام الضريبي، وفي إدارة المؤسسات العامة، وفي تحديث النظام المصرفي—هو ما يطالب به كثير من الخبراء المحليين أصلًا، وأنه لا مفر من هذه الإجراءات في أي خطة تعافٍ جادة.
لكن السؤال ليس في العناوين، بل في التفاصيل: من يقرّر شكل الإصلاح؟ من يتحمّل كلفته؟ وهل يُنفّذ في بيئة تضمن الشفافية والمساءلة؟
الإصلاح الضريبي مثلًا قد يكون مطلوبًا، لكن في اقتصاد غير منظم كالسوري، حيث التهرب الضريبي محمي سياسيًا، فإن توسيع القاعدة الضريبية قد يعني ببساطة تحميل الفئات الأضعف عبئًا إضافيًا، بينما ينجو أصحاب النفوذ. وإعادة هيكلة القطاع العام قد تكون ضرورية، لكن من دون رقابة مستقلة، قد تتحول إلى خصخصة مغلّفة تُنقل فيها الأصول العامة إلى أيدٍ خاصة من دون نقاش مجتمعي.
حتى أفضل السياسات تفشل إذا طُبّقت في بيئة بلا مؤسسات مستقلة، ولا حماية اجتماعية، ولا عقد اجتماعي يضمن توزيع الكلفة بعدالة. الإصلاح ليس محايدًا، بل قرار سياسي بامتياز. والخطر الأكبر أن يُستخدم منطق “الضرورة” لتجاوز النقاش العام، وتمرير سياسات من فوق، تحت شعار “لا بد منها”.
الضرورة لا تُلغي النقاش، بل تفرضه. وإذا كانت البلاد في أزمة، فهذا أدعى لفتح نقاش عام حول الخيارات، لا لتمريرها كأمر واقع.
إصلاح نقدي ومصرفي: خريطة طريق لنظام نقدي جديد
في الشق النقدي والمصرفي، يضع البيان جدول أعمال واسعاً:
– صياغة تشريعات مالية جديدة،
– إعادة تأهيل المصارف ونظام المدفوعات،
– إعادة بناء قدرة المصرف المركزي على إدارة السياسة النقدية والإشراف على القطاع المالي.
هذه ليست “مساعدة تقنية” عابرة، بل خريطة طريق لنظام نقدي جديد بالكامل، يعيد تعريف قواعد اللعب في السوق المالية: من يتحكم بالائتمان، ومن يقرّر سعر الفائدة، ومن يملك مفاتيح التمويل.
أي أن الصندوق لا يكتفي بإصلاح الأدوات، بل يسعى إلى إعادة تعريف من يتحكّم بهذه الأدوات، وكيف، ولصالح من. وهنا تتحول السياسة النقدية والمالية من ملف “اختصاصي” إلى ميدان صراع سياسي واجتماعي مكتوم.
غياب المشاورات الرسمية: تنفيذ بلا مساءلة
ما لم يُذكر صراحة في البيان هو أن هذه المهمة لن تُعرض على مجلس إدارة الصندوق، لأن مشاورات المادة الرابعة لم تُستأنف بعد. في العرف المؤسسي للصندوق، تُعد هذه المشاورات بمثابة “شهادة دولية” على جدارة الدولة في إدارة اقتصادها، وتُستخدم كأساس لأي اتفاق تمويلي أو دعم موسّع.
غيابها يعني أن سوريا لا تزال خارج الاعتراف الرسمي الكامل كمحاور اقتصادي دولي، رغم أن البيان يكشف عن تنسيق مباشر في صياغة الموازنة، والإصلاحات الضريبية، وإعادة هيكلة القطاع العام، وبناء النظام المصرفي.
بعبارة أخرى: السلطات السورية بدأت تنفيذ سياسات الصندوق، لكن دون أن تخضع للمساءلة الدولية التي ترافق المشاورات الرسمية. وهذا ما يجعل من “المساعدة الفنية” الحالية أداة تنفيذ فعلي لبرنامج غير معلن، يُطبّق من دون تمويل، ومن دون رقابة، ومن دون أي نقاش داخلي حول كلفته وتوزيعها.
في هذا الإطار، لا يعود تحسين الإحصاءات مسألة تقنية فقط، بل أداة سياسية بامتياز: كلما أصبحت الأرقام أكثر انتظاماً وقابلة للاستخدام، أصبح من الأسهل بناء سردية دولية عن “شريكٍ يمكن العمل معه” اقتصادياً، حتى لو ظلّ سؤال الشرعية الداخلية بلا جواب.
تجارب دولية تحذّر: الأرجنتين وباكستان مثالاً
التجارب القريبة توضّح كلفة السير في هذا المسار من دون أرضية سياسية واجتماعية صلبة.
في الأرجنتين (اتفاق 2022)، ورغم برنامج ضخم بقيمة 44 مليار دولار، انهار المسار سريعاً بسبب:
– غياب التوافق السياسي،
– اللجوء المتكرر للتمويل النقدي للعجز،
– تضخم جامح،
ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية وانهيار الثقة الشعبية، ومهّد في النهاية لصعود حكومة خافيير ميلي ذات التوجّه التقشفي الأشد، بعد أن كانت الكلفة الاجتماعية قد انفجرت فعلاً. التقييم الأخير للصندوق نفسه وصف البرنامج بأنه فشل في تحقيق أهدافه، وأن البلاد وصلت إلى “أزمة اقتصادية كاملة” بحلول نهاية 2023.
وفي باكستان 2023–2024، ورغم اتفاق مع الصندوق، شهدت البلاد:
– انهياراً حاداً في قيمة العملة،
– موجات غلاء خانقة،
– واحتجاجات وضغوطاً سياسية متواصلة،
ما أظهر أن غياب التوافق الداخلي وضعف الشرعية السياسية يجعلان أي برنامج تقشفي قابلاً للانفجار في الشارع، حتى لو كان “مصمَّماً جيداً” على الورق.
هذه الأمثلة لا تقول إن التعاون مع الصندوق محكوم بالفشل، لكنها توضح أن نجاحه مشروط بوجود عقد اجتماعي واضح، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وقدرة حقيقية على حماية الفئات الأضعف.
أين تقف سوريا اليوم؟
سوريا، كما يرسمها بيان المهمة، تتحرك على مسار “وصفة الصندوق” لكن:
– من دون اتفاق تمويلي،
– من دون شبكة حماية اجتماعية متماسكة،
– في ظل ضعف كبير في الشفافية،
– ومع مؤسسات سياسية لم تُختبر بعد في إدارة كلفة الإصلاح على المجتمع بشكل عادل.
هذا يضع البلاد على حافة سيناريو مألوف:
تقشّف استباقي من فوق، من دون شراكة حقيقية من تحت، مع مخاطرة أن تتحوّل الإصلاحات إلى مجرّد نقلٍ منظّم للأعباء على الفئات الأضعف، بينما تُستخدم عبارات “التعافي” و“استعادة الثقة” لتزيين واقع اجتماعي أكثر هشاشة.
إصلاح بلا سياسة يعني أزمة مؤجلة
الطريق الذي تسير عليه دمشق اليوم قد يفضي إلى استقرار نسبي في المؤشرات الكلية على الورق: عجز أقل، كتلة نقدية منضبطة أكثر، وانضباط شكلي في الموازنة.
لكن من دون إصلاح حقيقي في بنية الحكم، ومساءلة شفافة حول توزيع الكلفة، ونقاش عام حول خيارات الاقتصاد، يمكن لهذا المسار أن يتحول إلى نسخة سورية من تجارب الأرجنتين وباكستان:
تقشّف بلا نمو،
وإصلاح بلا ثقة،
وأزمة لا تُحلّ بل تُرحَّل.
السؤال لم يعد: هل تتعاون سوريا مع صندوق النقد أم لا؟
بل: أي ثمن سيدفعه المجتمع مقابل هذا التعاون، ومن يقرّر ذلك، وبأي شرعية؟






