Home / سياسة / مدارس صناعةالقرارفي السياسةالخارجيةالأمريكية

مدارس صناعةالقرارفي السياسةالخارجيةالأمريكية

أسامينا

شادي أحمد

المقدمة:

يمثل اتخاذ القرار في السياسة الخارجية الامريكية محور دراسة مركزي لفهم سلوك الولايات المتحدة على الساحة الدولية. يتسم هذا القرار بتعقيد شديد نتيجة تداخل العوامل الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية والداخلية والخارجية. ويتيح تحليل المدارس التحليلية المختلفة استجلاء الدوافع والمناهج التي تتبعها واشنطن في رسم سياساتها الخارجية. كما تظهر الشخصيات والنخب الامريكية تاثيرها الكبير في صياغة الخيارات السياسية وتحريكها بما يتوافق مع المصالح الوطنية والاستراتيجية. هذا البحث يسعى الى تقديم رؤية شاملة توضح الاليات الفكرية والتطبيقية لصنع القرار الخارجي الامريكي.

الفصل الاول: الاطار النظري العام لاتخاذ القرار في السياسة الخارجية الامريكية

يمثل اتخاذ القرار في السياسة الخارجية واحدة من اعقد الممارسات السياسية في النظام الدولي، لما يتداخل فيها من عناصر فكرية واستراتيجية، ومصالح اقتصادية وامنية، وضغوط داخلية وخارجية، علاوة على طبيعة النظام السياسي وصانع القرار ذاته. والولايات المتحدة، بصفتها الفاعل الاكبر على المسرح الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قدمت نموذجا مركبا وثريا لفهم اليات اتخاذ القرار في سياستها الخارجية.

اولا: مفهوم اتخاذ القرار في السياسة الخارجية

يقصد باتخاذ القرار في السياسة الخارجية ذلك المسار التحليلي والاجرائي الذي تنتهجه الدولة لتحديد مواقفها وتوجهاتها وسلوكها الخارجي تجاه بيئة دولية تتسم بالتعقيد، والتغير المستمر، والتنافس الحاد بين القوى. وتبنى هذه القرارات عادة على معطيات موضوعية (مصالح الدولة، التهديدات، فرص النفوذ)، واخرى ذاتية (ايديولوجيا صناع القرار، التوجهات القيمية، الضغط الداخلي…).

ثانيا: خصائص القرار في السياسة الخارجية الامريكية

تمتاز قرارات السياسة الخارجية الامريكية بعدة سمات تميزها عن غيرها من الدول، وابرزها:

  1. المركزية والتعدد في آن واحد:

فعلى الرغم من ان الرئيس الامريكي هو رأس السلطة التنفيذية والمخول رسميا بصياغة السياسة الخارجية، الا ان العملية تشمل ايضا العديد من المؤسسات مثل وزارة الخارجية، وزارة الدفاع، الكونغرس، الاستخبارات، واللوبيات. ما يجعل القرار متعدد المداخل لكنه في النهاية يجمع وينفذ من مركز واحد.

  1. التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى:

لا تبنى السياسة الامريكية على ردود فعل آنية، بل تعتمد على رؤية استراتيجية طويلة الامد. مثال على ذلك: احتواء الاتحاد السوفيتي منذ 1947 وفق “مبدأ ترومان”، وصولا الى تفكيكه او انهياره في 1991.

  1. البراغماتية السياسية:

السياسة الامريكية لا تحكم بايديولوجيا جامدة، بل تتحرك ضمن مصالح مرنة تعيد تشكيل نفسها بناء على المتغيرات، وهو ما وصفه هنري كيسنجر بانه “فن الممكن في عالم غير اخلاقي”.

  1. القوة الشاملة كأداة للقرار:

لا تتردد واشنطن في استخدام كافة عناصر القوة: الاقتصادية، العسكرية، الاعلامية، والناعمة (soft power)، في سبيل تنفيذ قراراتها الخارجية، حتى وان كان ذلك على حساب القانون الدولي.

  1. التقاطع بين الداخلي والخارجي:

القرار الخارجي لا ينفصل عن السياق الداخلي، بل يتقاطع معه مباشرة، كما حصل في قرار الحرب على العراق عام 2003، حيث لعبت احداث 11 ايلول، والانتخابات النصفية، وضغط المحافظين الجدد، ادوارا اساسية في دفع القرار نحو الحرب.

الفصل الثاني: المدارس التحليلية الاربعة في تفسير القرار الخارجي الامريكي

اعتمادا على الخبرة التحليلية المعمقة وتاريخ طويل من الممارسة الامريكية في السياسة الدولية، يمكن تصنيف القرار الامريكي الى اربعة نماذج تحليلية كبرى تعرف بـ”المدارس التحليلية”، وهي لا تمثل نظريات منفصلة بل تداخلا بنيويا يؤسس لرؤية متعددة الزوايا. لكن من اجل غايات البحث الاكاديمي، يفيد هذا التقسيم في تفكيك تعقيد القرار وتوضيح مرجعيته المتحركة.

اولا: المدرسة الاستراتيجية – الامن القومي كدافع اساسي

تعتبر المدرسة الاستراتيجية من اقدم المدارس المؤثرة في الفكر السياسي الامريكي، وتركز على فكرة مركزية: الامن القومي كمحدد اعلى لسلوك الدولة الخارجي. وهي تستند الى مقولة الرئيس ترومان عام 1947:

“لا يمكن للولايات المتحدة ان تبقى آمنة ان لم تكن جيرانها آمنين”.

ابرز ملامح هذه المدرسة:

ترى ان التهديدات الدولية يجب تحييدها قبل ان تصل الاراضي الامريكية، وهو ما يبرر التدخلات الخارجية.
تشمل مفاهيم مثل الاحتواء، الردع النووي، التفوق العسكري.
تعتمد على الرؤية الجيوسياسية: اي حماية المجال الحيوي للنفوذ الامريكي.


امثلة تطبيقية:

مبدأ ترومان (1947): دعم اليونان وتركيا ضد المد الشيوعي.
حرب فيتنام (1955-1975): لمنع “نظرية الدومينو” في آسيا.
غزو افغانستان (2001): القضاء على “ملاذات الارهاب”.
تواجد عسكري دائم في الخليج لضمان السيطرة على الممرات الحيوية للطاقة.
ثانيا: المدرسة الاقتصادية – الهيمنة عبر الدولار والاسواق

تشير هذه المدرسة الى ان المصلحة الاقتصادية تمثل محركا اساسيا في القرار الامريكي، حيث تتحرك واشنطن لضمان تفوقها في النظام الراسمالي العالمي، والسيطرة على البنى المالية والتجارية والنقدية. وقد عبر عنها وزير الخارجية الاسبق جيمس بيكر بقوله:

“نحن لا نحمي الشركات الامريكية فقط، بل نحمي النظام الذي جعلها عظيمة”.

ابرز مبادئ هذه المدرسة:

ضمان تدفق النفط والموارد الى السوق الامريكية.
تثبيت الدولار كعملة مرجعية دولية (ما بعد بريتون وودز).
حماية مصالح الشركات الكبرى في الخارج (جنرال موتورز، اكسون موبيل، بوينغ…).
استخدام العقوبات الاقتصادية كوسيلة ضغط.


امثلة تطبيقية:

دعم انقلابات امريكا اللاتينية ضد الانظمة الاشتراكية (تشيلي 1973).
الحرب التجارية ضد الصين منذ عهد ترامب.
عقوبات “قانون قيصر” على سوريا، و”قانون ماغنيتسكي” على روسيا.
غزو العراق 2003 جزئيا لاسباب تتعلق بالنفط واعادة هيكلة اقتصاده بما يتماشى مع السوق الحرة.
ثالثا: المدرسة الديمقراطية – تأثير الانتخابات واللوبيات

تركز هذه المدرسة على تأثير المؤسسات الديمقراطية الامريكية في توجيه القرار الخارجي، وخاصة ما يتعلق بـ:

نتائج الانتخابات: حيث يعد الموقف من السياسة الخارجية موضوعا دائما في الحملات الرئاسية.
اللوبيات: وهي قوى ضغط منظمة تؤثر على الكونغرس والبيت الابيض، واشهرها:
اللوبي الاسرائيلي (AIPAC).
اللوبي الصناعي العسكري.
لوبي النفط والطاقة.
وسائل الاعلام والرأي العام: التي تضغط بشكل غير مباشر على صانع القرار.


ابرز الامثلة:

دعم امريكا غير المشروط لاسرائيل يعود جزئيا الى ضغط اللوبي الصهيوني.
انسحاب اوباما من العراق (2011) نتيجة وعوده الانتخابية.
التحول الديمقراطي في سياسة بايدن تجاه السعودية بعد قضية خاشقجي.
المواقف المتباينة بين الديمقراطيين والجمهوريين تجاه القضية الفلسطينية او الاتفاق النووي مع ايران.
رابعا: المدرسة البيروقراطية – لعبة الصفقات بين المؤسسات

تركز هذه المدرسة على الصراع والتنسيق الداخلي بين المؤسسات السيادية الكبرى في امريكا: البيت الابيض، البنتاغون، الخارجية، CIA، الكونغرس، مجلس الامن القومي، الخزانة الامريكية… ويتم اتخاذ القرار في الغالب نتيجة صفقات او توافقات بينها، وليس وفق ارادة موحدة.

وقد صاغ غراهام اليسون هذا النموذج في تحليله لازمة الصواريخ الكوبية، مؤكدا ان كل مؤسسة لها مصالح ورؤية واسلوب خاص بها. مثال: وزارة الدفاع قد تدعو للحرب، بينما الخارجية تدفع نحو الحل الدبلوماسي.

ابرز الامثلة:

التناقض بين وزارة الخارجية ووزارة الدفاع في عهد اوباما حول سوريا.
الخلاف بين CIA والبنتاغون بشأن تسليح المعارضة في ليبيا.
تصادم ترامب مع اجهزة الاستخبارات حول روسيا.
ملاحظات ختامية حول المدارس الاربع:

هذه المدارس لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتداخل وتتفاعل ضمن منظومة القرار.
يمكن لحدث معين ان يفسر بمدرستين او اكثر في آن واحد.
هذا التقسيم هو اداة تحليلية لفهم تعقيد القرار الامريكي، وليس تصنيفا صارما.


الفصل الثالث: نظريات القرار الخارجي الامريكي في التطبيق – من الاستراتيجية الى السلوك السياسي

في هذا الفصل، ننتقل من المستوى النظري للمدارس التحليلية، الى تحليل السلوك الفعلي لصناع القرار الامريكي من خلال استعراض مقاربات ابرز الشخصيات والنخب المؤثرة التي قادت السياسة الخارجية عبر العقود الماضية. تظهر هنا انماط متنوعة من التفكير تتراوح بين الواقعية الصلبة، والبراغماتية المرحلية، والتدخلية الصريحة.

نقدم فيما يلي استعراضا تفصيليا لاهم هذه النماذج من خلال ثمانية مفكرين وقادة وسياسيين شكلوا ملامح القرار الامريكي تجاه الشرق الاوسط والعالم.

  1. جورج كينان – نظرية “الاحتواء المزدوج”

كينان، مهندس الحرب الباردة، كان اول من صاغ مفهوم “الاحتواء” في مقالته الشهيرة عام 1947 في مجلة “فورين افيرز”. لكنه لاحقا تطورت النظرية الى “الاحتواء المزدوج”، وتحديدا في التسعينيات خلال ادارة كلينتون، واستهدفت كلا من ايران والعراق.

يجب على الولايات المتحدة الا تسمح بوجود قوتين معاديتين لها في الخليج، بل عليها محاصرتهما في ان معا.” – من وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية عام 1994.

تطبيقات:

العقوبات الاقتصادية المزدوجة على ايران والعراق بعد 1991.
محاولات عزل الدولتين دبلوماسيا.
دعم اطراف محلية معارضة لكليهما.
ضرب العراق عسكريا، وتطويق ايران بالمفاوضات

  1. هنري كيسنجر – سياسة “خطوة خطوة”

كيسنجر، وزير خارجية نيكسون وفورد، كان ابرز العقول الواقعية الباردة في تاريخ السياسة الامريكية. عرف بقدرته على تفكيك القضايا الكبرى الى خطوات صغيرة تدريجية.

نحن لا نحل الازمات، بل نديرها على مراحل تحفظ مصالحنا.” – كيسنجر، مذكراته 1982.

ابرز تطبيقات “الخطوة خطوة”:

في اتفاقيات فك الاشتباك بين مصر واسرائيل بعد حرب 1973.
ابعاد منظمة التحرير عن سوريا ولبنان عبر التفاوض المرحلي مع عرفات.
الضغط على دمشق في جولات تفاوض 1974 دون الوصول لاتفاق نهائي.
سياسة كيسنجر اصبحت نموذجا في التفاوض التدريجي دون الوصول للحلول الجذرية، لكنها تضمن اطالة عمر النفوذ الامريكي.

  1. زبغنيو بريجنسكي – “تفتيت المفتت”

مستشار الامن القومي في عهد كارتر، تبنى نظرية معقدة تقوم على مبدأ “تحطيم الكيانات المتماسكة واشغالها بصراعات داخلية” بهدف منع قيام قوى اقليمية منافلن نسمح بنشوء اية دولة اسلامية كبرى ذات طموح اقليمي.” – من محاضر الامن القومي، 1979.

ابرز التطبيقات:

دعم المجاهدين في افغانستان لاغراق الاتحاد السوفيتي في مستنقع الحرب.
دفع العراق وايران الى حرب طاحنة (1980-1988).
تشجيع النزاعات الطائفية والعرقية في لبنان والعراق وسوريا لاحقا.
استخدام النزعات الدينية والهوياتية لتفكيك البنية السياسية للدول.

  1. رونالد ريغان – التفوق الاستراتيجي

رفع ريغان شعار “التفوق الامريكي الشامل” في وجه ما سماه “امبراطورية الشر” (الاتحاد السوفيتي). وقد اعاد تعريف القوة الامريكية على اساس مزدوج: قوة السلاح، وقوة الخطاب العقائدي.

“السلام ياتي من القوة، لا من التفاوض.” – ريغان، خطاب الامة 1983.

امثلة تطبيقية:

انشاء “قوة التدخل السريع” في الخليج.
نشر صواريخ باتريوت لحماية اسرائيل.
دعم صدام حسين في حربه مع ايران.
التدخل في لبنان (1982-1984) ودعم القوات المتحالفة مع واشنطن.

  1. جورج بوش الابن – المحافظون الجدد

بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، تبنى بوش الابن وفريقه نظرية “الحرب الاستباقية”، ونموذج اعادة تشكيل الشرق الاوسط. كان منظروا المحافظين الجدد امثال بول ولفويتز ودوغ فيث يروجون لفكرة استخدام القوة العسكرية لاقامة انظمة صديقة.

“من ليس معنا فهو ضدنا.” – بوش، خطاب الكونغرس، 2001.

التطبيقات:

غزو افغانستان (2001).
غزو العراق (2003) وانهاء نظام صدام حسين.
دعم مشاريع التغيير الديمقراطي بالقوة او بالضغط في المنطقة.
تقسيم دول مثل العراق فعليا بين طوائف ومكونات.

  1. بيل كلينتون – “الضغط المخملي”

اعتمد كلينتون اسلوبا اقل صدامية واكثر نعومة. مزج بين القوة الناعمة (Soft Power) والدبلوماسية الاقتصادية، مع التهديدات الكامنة.

“اننا نمنح الفرصة للشعوب كي تختار الديمقراطية، لكننا لا نتردد في تاديب من يخرج عن قواعد اللعبة.” – كلينتون، خطاب حالة الاتحاد، 1997.

ابرز التطبيقات:

تعزيز دور المؤسسات الامريكية في دعم المجتمع المدني العربي.
استخدام العقوبات الذكية ضد العراق والسودان.
تشجيع اتفاقيات اوسلو، ثم الضغط على عرفات في كامب ديفيد (2000).
دعم حركات حقوق الانسان ومبادئ الاقتصاد الحر كوسيلة اختراق.

  1. باراك اوباما – الثورات الملونة والقيادة من الخلف

اوباما مثل نقطة تحول في الاستراتيجية الامريكية، حيث انتقل من التدخل المباشر الى اسلوب اطلق عليه البعض “القيادة من الخلف”، عبر تمكين الحلفاء المحليين والدعم غير المباشر للتغيير.

“نحن نقف على الجانب الصحيح من التاريخ… لكننا لسنا الشرطة الدولية.” – اوباما، 2011.

ابرز المظاهر:

دعم “الربيع العربي” اعلاميا ولوجستيا.
اسقاط نظام القذافي عبر دعم الناتو والمعارضة الليبية.
دعم المعارضة السورية عبر الحلفاء الاقليميين.
توقيع الاتفاق النووي مع ايران كصفقة استراتيجية.

  1. دونالد ترامب – سياسة “الاستيلاء المباشر” و”ادفع ثم احصل”

جاء ترامب باسلوب مباشر وشخصاني. دمج بين الواقعية الاقتصادية والابتزاز السياسي، وقلص الخطاب القيمي الى ادنى مستوياته.

“امريكا اولا… والباقي يدفع.” – ترامب، مرارا في خطاباته.

تطبيقات:

انسحاب من الاتفاق النووي مع ايران.
فرض عقوبات شاملة على الصين وروسيا وايران.
الابتزاز المالي لدول الخليج مقابل الحماية.
نقل السفارة الامريكية الى القدس.
دعم مشاريع التطبيع العربي مع اسرائيل.


خلاصة:

هذه النماذج تظهر تباينا في اساليب واولويات صناع القرار، لكنها تشترك في خدمة البنية العميقة للمصالح الامريكية.

من الواقعية الكيسنجرية الى الشعبوية الترامبية، نجد ان ادوات القرار تتبدل، لكن الاهداف تبقى ثابتة: السيطرة، الردع، والهيمنة.

الفصل الرابع: التطبيق العملي لنظريات القرار الامريكي – دراسة حالات الشرق الاوسط

ينتقل هذا الفصل الى المستوى التطبيقي، عبر تحليل كيفية ترجمة النظريات والسياسات السابقة في تعامل الولايات المتحدة مع قضايا ودول محددة في الشرق الاوسط. يعتمد هذا التحليل على الاحداث والوثائق التاريخية، ويكشف عن الاستخدام المتقاطع للادوات: من الاحتواء والتدخل، الى التفاوض، والدعم السري، والابتزاز العلني.

  1. منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات: من الاحتواء الى التهميش

طوال السبعينيات والثمانينيات، تعاملت الادارات الامريكية مع منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها “تهديدا ارهابيا”، في ظل تأثير اللوبي الاسرائيلي.

لكن بعد اتفاق اوسلو 1993، تحول الموقف الامريكي، خصوصا في عهد كلينتون، الى احتواء عرفات ودمجه في النظام الدولي، بشروط قاسية.

“لن يحصل عرفات على دولة، بل على ادارة ذاتية محدودة ان تصرف حسب القواعد.” – من محاضر قمة كامب ديفيد، تموز 2000.

محطات مفصلية:

1974: قرار الامم المتحدة يعترف بالمنظمة كممثل شرعي، لكن امريكا امتنعت.
1982: الغزو الاسرائيلي لبيروت تم بتنسيق امريكي لاخراج عرفات من لبنان.
1988: بدأ التواصل غير الرسمي بين واشنطن وقيادة المنظمة.
1993–2000: اتفاق اوسلو، ثم محاولات فرض حل نهائي في كامب ديفيد.
بعد فشل القمة واندلاع الانتفاضة الثانية، تم تهميش عرفات، ورفض بوش الابن التعامل معه، وصولا الى حصاره في رام الله.

  1. سوريا في عهد الاسد الاب والابن: من التفاوض الى العزل والعقوبات

تاريخ العلاقة بين واشنطن ودمشق يعكس تناقضا مركبا: تفاوض غير مباشر، مقابل ضغوط وعقوبات متواصلة.

حافظ الاسد:

رفض الاسد توقيع اتفاق سلام منفرد مع اسرائيل كما فعل السادات، ما جعل كيسنجر يفشل في جهوده عام 1974 رغم فك الاشتباك.
دعمت امريكا عزل سوريا سياسيا بعد اجتياح لبنان 1976، ثم صنفتها “دولة راعية للارهاب” منذ 1979.
رغم ذلك، اعتمدت واشنطن على الاسد لضبط الجبهة اللبنانية ومحاربة صدام لاحقا في 1991.


بشار الاسد:

في البداية، حاول اوباما فتح قناة مع دمشق عبر سفراء مثل روبرت فورد.
لكن بعد 2011، انقلب المشهد، وتحولت واشنطن الى داعم متعدد الوجوه للمعارضة المسلحة.
فرضت “قانون قيصر” (2020) الذي خنق الاقتصاد السوري، ضمن استراتيجية الانهاك الطويل دون تدخل مباشر.

  1. السعودية في عهد الملك فيصل: النفط والاسلام في قبضة واشنطن

الملك فيصل حاول التوازن بين استقلال القرار العربي والتحالف مع واشنطن، لكنه شكل خطرا بعد دعمه لحظر النفط عام 1973.

“فيصل لا يشبه من سبقوه، فهو يعرف سلاح النفط جيدا.” – مذكرة لوكالة الاستخبارات الامريكية، 1974.

ابرز المحطات:

1973: قرار حظر النفط اثناء حرب اكتوبر اربك الاقتصاد الامريكي.
ضغطت واشنطن على السعودية لتفك الحظر عبر وعود بدعم سياسي.
اغتيال فيصل عام 1975 ترك اثرا في اضعاف التيار الاستقلالي داخل العائلة المالكة.
بعد ذلك، تعمقت الشراكة الامنية مقابل المال والنفط، واستمر ذلك في كافة الادارات التالية.

  1. مصر بين عبد الناصر والسادات: من العداء الى التحالف

جمال عبد الناصر:

رفض السياسات الامريكية ومال الى السوفييت.
ازمة تأميم قناة السويس (1956) مثلت صدمة لواشنطن.
دعم حركات التحرر في افريقيا واليمن، ما اعتبر تهديدا للنفوذ الامريكي والبريطاني.

“علينا ان نكبح طموحات هذا الرجل قبل ان يشعل العالم العربي.” – ايزنهاور، 1956.

انور السادات:

انقلب تدريجيا على الارث الناصري.
طرد الخبراء السوفييت 1972، ثم شن حرب 1973 بدعم تسليحي سوفييتي، لكن بالتنسيق الضمني مع امريكا.
اتفاق كامب ديفيد 1978 – اول اختراق امريكي استراتيجي للشرق الاوسط.
مصر اصبحت “ركيزة الاستقرار” وفق تعبير كيسنجر، وتلقت مساعدات سنوية تفوق 2 مليار دولار.

  1. العراق – صدام حسين ثم الاحتلال: من الدعم الى التدمير

خلال الثمانينيات، دعمت واشنطن صدام في حربه مع ايران، رغم علمها باستخدامه للاسلحة الكيماوية.
بعد غزو الكويت 1990، تغير الموقف جذريا.
حرب الخليج الثانية (1991) وفرض منطقة حظر جوي – استنزاف طويل.

“صدام مجرم… لكنه كان مفيدا حين ضرب ايران.” – تقرير الكونغرس 1992.

الاحتلال:

غزو 2003 كان الذروة في سياسة “المحافظين الجدد”.
تدمير مؤسسات الدولة العراقية، ثم تشكيل مجلس حكم طائفي.
نتائج كارثية: مئات الاف القتلى، ظهور القاعدة، ثم داعش.
انسحاب اوباما 2011، وعودة امريكية جزئية 2014 ضد “داعش”.

  1. ليبيا – معمر القذافي: من الشيطنة الى التصفية

منذ الثمانينيات، اعتبر القذافي “العدو المجنون”.
قصف طرابلس وبنغازي 1986 من قبل ريغان – قتل فيه ابنة القذافي بالتبني.
في 2003، قرر القذافي التخلي عن برنامجه النووي، وتم رفع العقوبات.
لكن:

“لقد عاد الى الحظيرة… لكنه لن يغفر له الماضي.” – دبلوماسي امريكي، 2004.

دعم اوباما والناتو لاسقاطه في 2011 عبر عمليات جوية.
قتل القذافي بوحشية، وانهارت الدولة الليبية.

  1. لبنان وحزب الله: مقاربة امنية – استخباراتية معقدة

امريكا كانت دوما شريكا لاسرائيل في استهداف نفوذ حزب الله.
2006: دعمت اسرائيل سياسيا اثناء حرب تموز.
فرضت عقوبات مالية وتجارية على الحزب ومؤسساته.
استخدمت ادوات ناعمة لاختراق الساحة اللبنانية، ابرزها دعم منظمات مدنية واعلامية.

“حزب الله ليس مجرد ميليشيا، بل مشروع اقليمي يجب حصاره.” – وثيقة الخارجية الامريكية 2008.

  1. ايران: من الشيطنة الى الاتفاق ثم العودة للصدام

1953: دعمت واشنطن انقلاب الشاه ضد مصدق، ثم تحالفوا معه لعقود.
1979: الثورة الاسلامية، ازمة الرهائن – صدمة استراتيجية.
طوال الثمانينيات والتسعينيات: سياسة العزل، ثم الاحتواء المزدوج.
2015: توقيع الاتفاق النووي بقيادة اوباما.
2018: انسحب ترامب من الاتفاق، وفرض “اقصى ضغط”.
2023: بايدن يحاول اعادة التفاوض، لكن ايران طورت برنامجها النووي الى درجة متقدمة.


خلاصة الفصل:

تكشف هذه الحالات ان الولايات المتحدة تتبنى مزيجا مرنا من الادوات:
التفاوض والدبلوماسية الناعمة عند الحاجة.
التدخل العسكري عند الضرورة.
العقوبات والضغط الاقتصادي كأداة مستمرة.
استخدام القوى المحلية والمرتزقة الاقليميين كامتدادات للقرار الامريكي.
كل ذلك ضمن اطر نظرية تتحول الى ممارسة عملية – تراعي المصالح لا القيم.


الخاتمة:

يمكن القول ان السياسة الخارجية الامريكية تتشكل ضمن اطار متعدد الابعاد يجمع بين الاستراتيجية والاقتصاد والديمقراطية والبنية البيروقراطية. وتكشف دراسة المدارس التحليلية والنماذج التطبيقية عن تعقيد القرار وتداخل المصالح الداخلية والخارجية. كما تؤكد التجارب السابقة ان النخب وصناع القرار لهم دور محوري في توجيه الخيارات وتحقيق اهداف الامن القومي والمصلحة الاقتصادية. ويبرز البحث ان الفهم العميق لهذه العمليات يساعد على تفسير المواقف الامريكية في القضايا الدولية المختلفة. لذا تبقى دراسة القرار الخارجي اداة اساسية لفهم السياسة الامريكية في عالم متغير ومتقلب.

syria morse

Tagged:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *