Home / اقتصاد / الخصخصة … هل هي إنقاذ للاقتصاد أم بيع للأملاك العامة؟

الخصخصة … هل هي إنقاذ للاقتصاد أم بيع للأملاك العامة؟

أسامينا

شادي أحمد

في الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية في #سوريا، وتُرهَق الدولة بعجز مالي مزمن ونمو شبه معدوم،
تُطرح الخصخصة كخيار “إنقاذي” يُعيد ترتيب المشهد الاقتصادي، ويحرّك عجلة الاستثمار. لكن خلف هذا العنوان البرّاق، تكمن جملة من التحديات والمخاطر التي تجعل من الخصخصة، في السياق السوري الراهن، عملية محفوفة بالمخاوف ومفتوحة على احتمالات كارثية.

أولاً: خصخصة بلا بيئة سوقية حقيقية

من أبرز الإشكاليات أن الاقتصاد السوري لا يعمل وفق قواعد السوق الحر الحقيقية. فبيئة الاستثمار تفتقر إلى الشفافية، والتنافسية محدودة بفعل احتكار النخب السياسية-الاقتصادية لأغلب الموارد والقرارات. وفي مثل هذه الظروف، لا تؤدي الخصخصة إلى تحسين الكفاءة، بل إلى نقل الاحتكار من الدولة إلى الأفراد المرتبطين بها،

ثانيًا: بيع تحت الضغط = بيع بخس

الخصخصة في زمن الحرب والعقوبات والدمار لا تعني إعادة هيكلة اقتصادية واعية، بل تعني ببساطة بيعًا اضطراريًا للأصول العامة تحت قيمتها الحقيقية.
الدولة المضغوطة ماديًا لا تملك القدرة على التفاوض، والأسواق الخارجية لا تبدي اهتمامًا حقيقيًا في الاستثمار طويل الأجل، ما يعني أن منشآت القطاع العام ستُباع بأقل من قيمتها التاريخية والاقتصادية، وربما إلى جهات محلية ذات نفوذ سياسي وليس كفاءة إنتاجية.

ثالثًا: تسريح العمّال وزيادة البطالة

القطاع العام، رغم ترهله، يبقى مصدر رزق لمئات الآلاف من السوريين. خصخصة المصانع والشركات الكبرى، غالبًا ما تترافق مع تسريح جماعي للعمالة، بدعوى إعادة الهيكلة أو تخفيض الكلفة. في بلد تبلغ فيه البطالة مستويات قياسية، فإن مثل هذا التسريح لا يؤدي إلا إلى مفاقمة الفقر والتهميش الاجتماعي، وزيادة الضغط على منظومة دعمٍ هشّة أساسًا.

رابعًا: المخاطر الاجتماعية وفقدان الثقة

خصخصة المؤسسات العامة من دون نقاش وطني شفاف، ومن دون رقابة ديمقراطية، و من دون سلطة تشريعية (البرلمان)
تُعزز شعور المواطنين بأن “الدولة تبيعهم”. فهذه المنشآت، تاريخيًا، تموّلت من ضرائب الناس ومواردهم الطبيعية، وتحوّلت على مدى عقود إلى رموز وطنية في الوعي الجمعي. وبيعها في الظل، وبلا محاسبة، يقوّض الثقة بين الدولة والمجتمع، ويُغذي مشاعر الغضب واللاعدالة.

خامسًا: التجربة الفاشلة عربياً… وأحياناً كارثية

لم تكن الخصخصة في العالم العربي قصة نجاح.
من مصر إلى الجزائر، مرورًا بالعراق، أدى نقل منشآت القطاع العام إلى مستثمرين فاسدين أو غير مؤهلين إلى انهيار الإنتاج واحتكار السوق وتدهور نوعية الخدمات.
بل إن بعض عمليات الخصخصة تحوّلت إلى أدوات لتوزيع المكاسب السياسية على النخب، وليس لإصلاح الاقتصاد.

البديل: إصلاح القطاع العام لا بيعه

بدلًا من الخصخصة العشوائية، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة هيكلة القطاع العام نفسه:

إدخال الحوكمة والمساءلة.

منح المؤسسات استقلالًا إداريًا وتشغيليًا.

تشجيع الشراكة مع القطاع الخاص بنماذج حديثة مثل الـ PPP (الشراكة بين القطاعين العام والخاص).

تطوير الكفاءات وتحديث نظم الإنتاج.

القطاع العام لا يجب أن يُرى كعبء، بل كأداة يمكن إصلاحها وتحويلها إلى رافعة للنمو، شرط الإرادة السياسية والشفافية المؤسسية.

Tagged:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *