سمعة السوق السورية
أسامينا
بين فوضى الاستيراد وتراجع الثقة الوطنية
لم يعد مصطلح «سمعة السوق» مجرد توصيف انطباعي أو وجهة نظر متغيرة تبعًا للأمزجة. بل أصبح مؤشّرًا اقتصادياً مركّباً، يتكوّن من مزيجٍ من العوامل الإنتاجية والتجارية والإدارية والنفسية أيضاً.
تُقاس السمعة في أي سوق من خلال جودة السلع والخدمات، واستقرار الأسعار، ومدى رضا المستهلكين عن التجربة الشرائية، وصولاً إلى انطباعات المستثمرين المحليين والأجانب عن البيئة العامة للأعمال.
اليوم، تمر السوق السورية بمرحلة دقيقة من تاريخها الحديث. فبعد أن فُتحت بوابات الاستيراد على مصراعيها، دون ضوابط واضحة أو رؤية حمائية متوازنة، تحولت الأسواق إلى مساحاتٍ مضطربة يغلب عليها الطابع العشوائي.
دخلت منتجات أجنبية كثيرة بلا رقابة نوعية حقيقية، لتزاحم الصناعات الوطنية التي تعاني أصلًا من تكاليف إنتاج مرتفعة، وصعوبات تمويلية وهيكلية، ومشاكل في سلاسل التوريد والطاقة.
وهكذا بدأ الميزان يميل تدريجيًا نحو الاستهلاك بدل الإنتاج، والاستيراد بدل التصنيع.
أولًا: الأفراد — بين الولاء للمنتج الوطني وإغراء المستورد
انخفضت ثقة المستهلك السوري بالمنتج المحلي لأسباب متداخلة: ضعف الجودة أحيانًا، غياب الهوية التسويقية أحيانًا أخرى، والأهم غياب الشعور بوجود حماية أو سياسة صناعية جادة.
كثيرون باتوا يفضلون المستورد، وأحيانًا المهرّب، حتى لو كان أغلى ثمنًا، فقط لأن صورة السوق المحلية لم تعد تمنحهم الاطمئنان.
لكن المفارقة أن جزءًا كبيرًا من هذه السلع المستوردة أقل جودة من المنتج المحلي نفسه، لو أُتيح له الدعم الكافي والرقابة الجدية على المعايير.
ثانيًا: الشركات — من شعار «هدفنا رضاكم» إلى واقع السوق
تفتقر الشركات السورية، عامةً، إلى أدوات تقييم السمعة السوقية علميًا.
لم تقم أغلب المؤسسات، العامة أو الخاصة، بأي دراسات ميدانية لقياس موقعها في السوق، أو مدى رضا الزبائن فعليًا عن منتجاتها وخدماتها.
ما زال التقييم يتم وفق “الدوائر المغلقة” والمجاملات، لا عبر أدوات علم الاقتصاد التسويقي أو بحوث السوق.
النتيجة: صورة مشوّهة عن الذات، واستراتيجية تسويق تعتمد على الشعارات لا على الوقائع.
ثالثًا: المستوى الكلي — السوق السورية في عيون المستثمر
من منظور المستثمر الخارجي، تبدو السوق السورية حتى اليوم غامضة وغير مستقرة.
قرارات الاستيراد والإنتاج تتبدل بسرعة، القوانين تتغير بمرونة غير مدروسة، والمناخ الإداري لا يزال يتسم بالمزاجية أكثر من المؤسسية.
هذا ما يجعل المستثمر يتردد: هل هي سوق محمية قادرة على حفظ رأس المال؟ أم ساحة مفتوحة على المجهول، لا تعرف فيها قواعد العرض والطلب الثابتة ولا ضوابط المنافسة الشريفة؟
في المحصلة
إنّ بناء سمعة جديدة للسوق السورية لا يمكن أن يتم عبر حملات ترويجية أو تصريحات إعلامية.
السمعة تُبنى عبر استقرار السياسات، شفافية القوانين، وعدالة المنافسة.
هي نتيجة تراكميّة لسنوات من الثقة، لا إعلان يُبثّ في يوم واحد.
ويبقى السؤال الجوهري:
هل درسنا حقًا سمعة السوق السورية في عيون الخارج والداخل معًا؟
وهل نمتلك خطة وطنية متكاملة لإعادة الاعتبار للمنتج السوري، ليس بالشعارات، بل بالسياسات؟
“حين ترى منتجًا مجانيًا… فاعلم أنك أنت السلعة.”






