Home / اقتصاد / رئة دمشق تختنق ..بساتين ابو جرش بين الإسمنت والأرباح

رئة دمشق تختنق ..بساتين ابو جرش بين الإسمنت والأرباح

أسامينا

شادي أحمد

لم تكن بساتين جرش يوماً مجرّد مساحة خضراء على أطراف دمشق، بل كانت جزءاً من ذاكرة المدينة وحياتها اليومية. تقع هذه المنطقة على أوتوستراد العدوي،
حيث تتميّز بكثافة أشجارها التي تمتدّ على مدى النظر، حتى أطلق عليها الدمشقيون اسم “رئة دمشق”، لأنها تزوّد العاصمة بأكسجينها الطبيعي، وتخفّف من غبارها ودخانها وضجيجها.

قبل سنوات، كان الاقتراب من هذه البساتين بغرض البناء أو الاستثمار أمراً مرفوضاً تماماً، إذ كانت تُعتبر جزءاً من الحزام الأخضر الذي يحمي المدينة من التلوث والتوسع العمراني العشوائي.
غير أن المشهد الذي رأيته اليوم يشي بأنّ هذه السياسة قد تآكلت بصمت:…. الأشجار تُقتلع، والمساحات تُسوّى، ومعارض سيارات ومطاعم ومبانٍ إسمنتية بدأت تظهر على حساب المساحات الخضراء التي شكّلت توازن دمشق البيئي لعقود طويلة.

إن ما يجري في بساتين ابو جرش ليس مجرّد تغيير في المنظر العام، بل هو تآكل لنظام بيئي حضري حمى المدينة لعقود من الاختناق. ومع كل شجرة تُقتلع، تفقد دمشق جزءاً من قدرتها على التنفّس، ويزداد اعتمادها على هواء ملوّث لا يغسله سوى المطر الذي لم يأت بعد رغم الاستسقاء.

الاستثمار في المدن لا يعني بالضرورة تشييد مبانٍ جديدة، بل الحفاظ على ما تبقّى من روح المكان، لأنّ العاصمة التي تخسر خضرتها تفقد جزءاً من هويتها أيضاً.
حين تتحوّل “رئة دمشق” إلى مجرّد واجهات تجارية، فإننا نؤسس لأزمة بيئية صامتة، أخطر من كل ما نراه في شوارعها من ازدحام وغبار.

من هنا، أوجّه نداءً عاجلاً إلى محافظة دمشق، ووزارة الإدارة المحلية والبيئة، وجمعية أصدقاء دمشق، وجميع جمعيات المجتمع المدني، لوقف ما يجري فوراً في بساتين جرش، وفتح تحقيق علني حول أسباب السماح بهذه التعديات، ووضع خطة عاجلة لإعادة تأهيل الحزام الأخضر وحماية ما تبقّى منه.

إنّ ما يحدث ليس مشروعاً عمرانياً عابراً، بل جريمة بيئية مكتملة الأركان، تُرتكب بحق مدينة تتنفّس بشجرها قبل إسفلتها.

دمشق لا تحتاج اليوم إلى مطاعم جديدة، بل إلى شجرة تُظلّلها.

Tagged:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *