ارتفاع تكلفةالحصول على المعرفة
أسامينا
شادي أحمد
قبل عشرين عاماً من عملي في التعليم الافتراضي كأستاذ في الجامعة الافتراضية السورية SVU حيث كنت مع أول فريق من الأستاذة فيها…
وقتها كنت أعطي فيها مادة التجارة الإلكترونية و أحث الطلاب على العمل ضمن قطاع التجارة الإلكترونية لأن المستقبل له..و هذا فعلا ما حصل لاحقا
رأيت كيف يمكن للاتصال أن يفتح نافذة حياة جديدة للسوريين: طلاب، باحثين، شركات ناشئة، وحتى سائقي عمال التوصيل العاملين على التطبيقات.
واليوم، نواجه وضعاً يعكس الاتجاه بالكامل:
كلفة اتصال تتجاوز القدرة التصرفية للمواطن، وتضرب القطاعات التي راهنّا عليها لتعويض انهيار القطاعات التقليدية.
رفع أسعار الإنترنت والكهرباء والمياه ليس قراراً تقنياً؛
بل خطوة ذات أثر كلي مباشر سلبي على الإنتاج، والدخل، والسلوك الاقتصادي، ومستقبل الاقتصاد الرقمي في سورية.
أولاً: الأثر على الدخل التصرفي للأسر
متوسط راتب الموظف السوري لا يتجاوز 100 دولار.
باقة الإنترنت من الشريحة الثانية لدى سيريتل وحدها تلتهم 60% من هذا الدخل.
عندما تستهلك فاتورة الإنترنت والكهرباء والمياه ما بين 40 و55% من دخل الأسرة، فهذا يعني أن الحكومة تعيد تعريف “تكاليف البقاء” بصورة قسرية.
ومع أسرة من خمسة أفراد غالباً تعتمد على مُعيل واحد، يتحول الدخل المتاح للغذاء والصحة والنقل والتعليم إلى أقل من الحد الأدنى اللازم للحياة.
هذا ليس انكماشاً عادياً؛ إنه انتقال إلى اقتصاد (يموت) لا يُنتج فيه المواطن إلا الحد الأدنى للبقاء.
ثانياً: تهديد مباشر لقطاعات يقوم عليها جيل كامل
- طلاب التعليم الافتراضي (عشرات الآلاف)
أعرف جيداً – من تجربتي كما قلت في الجامعة الافتراضية و التدريب عن بعد– أن الطالب الافتراضي يحتاج اتصالاً مستقراً لا رفاهية فيه.
اليوم، مع هذه الأسعار، يصبح التسجيل في الجامعة الافتراضية قراراً فوق قدرة آلاف الأسر.
ما يحدث هو انسحاب تدريجي من التعليم وليس مجرد ضغط اقتصادي.
- طلاب الدراسات العليا والباحثون (عشرات الآلاف)
البحث العلمي يعتمد على قواعد البيانات الدولية، النشر، التواصل مع المشرفين، برامج التحليل.
رفع الأسعار بهذا الشكل يضع الباحث السوري خارج المنافسة قبل أن يبدأ.
النتيجة: تراجع الإنتاج العلمي وعودة الباحث إلى #عزلة_رقمية بدأت قبل 15 عاماً وها هي تتكرر.
- العاملون في التسويق الإلكتروني (عشرات الآلاف)
هذا القطاع كان أحد أهم مخارج البطالة، ورافداً مهماً للقطاع الخاص.
اليوم ترتفع كلفة التشغيل وتُسحق الهوامش، فيتحول العمل الحر إلى مشروع غير قابل للاستمرار.
- قطاع التوصيل عبر التطبيقات
الإنترنت هو “أكسجين” هذا العمل. ارتفاع التكلفة يعني انخفاض الدخل الفعلي وبالتالي خروج عدد كبير من العاملين.
- سائقو التاكسي المعتمدون على التطبيقات
الزيادة في أسعار البيانات تُقتطع مباشرة من دخل السائق اليومي.
نحن أمام معادلة بسيطة: ارتفاع كلفة الإنترنت = إلغاء العمل عبر التطبيقات.
ثالثاً: مستقبل الاقتصاد الرقمي… إلى أين؟
الاقتصاد السوري و مع تعثر العديد من القطاعات كان بحاجة إلى قطاع واحد على الأقل يمتلك قابلية النمو وهو الاقتصاد_الرقمي.
ومع الزيادات الأخيرة، يتراجع هذا القطاع قبل أن يتبلور بشكل نهائي.
الخطر الأساسي هو أننا ننتقل من “ضعف في التحول الرقمي” إلى إلغاء تدريجي للتحول الرقمي ككل.
إذا استمرت السياسات الحالية، فخلال 3–5 سنوات سنكون خارج المنافسة في:
التعليم الافتراضي
التجارة الإلكترونية
الشركات الناشئة
خدمات التطبيقات
المحتوى الرقمي
التحليلات والبحث العلمي
وهذه القطاعات ليست “كماليات”، بل أصبحت بديلاً حقيقياً عن وظائف لم يعد الاقتصاد التقليدي قادراً على توفيرها.
رابعاً: تأثيرات كلية على الاقتصاد
انكماش سوق العمل الرقمي بنسبة 30–50%
تراجع نمو الشركات الناشئة وخروج عدد منها
زيادة البطالة بين الشباب
تآكل القدرة الشرائية وتراجع الطلب الداخلي
انخفاض الإنتاجية العامة للاقتصاد
اتساع اقتصاد الظل بسبب هروب الأعمال من الكلف الرسمية
نحن أمام حلقة معيبة:
كلفة أعلى → قدرة شرائية أقل → نشاط اقتصادي أضعف → إيرادات حكومية أقل → اللجوء إلى رفع الأسعار مجددا. (أتوقع ارتفاع أسعار الاتصالات مرة أخرى)
خامساً: توصيات عملية (لا شعارات نظرية)
- إطلاق باقات تعليمية وبحثية بسعر مدعوم لطلاب الافتراضي والدراسات العليا، بخصم لا يقل عن 50%.
- تعرفة خاصة بالشركات الناشئة والمشاريع الرقمية بكلف منخفضة وثابتة لمدة عامين.
- منح تعرفة “تشغيل” منخفضة للقطاعات الخدمية المعتمدة على الاتصال مثل التوصيل والتكاسي والتسويق الإلكتروني.
- إعادة هيكلة تسعير البيانات لتصبح حسب حجم الاستخدام الفعلي وليس شرائح مُجحفة.
- رفع جودة الخدمة بالتوازي مع السعر: زيادة السرعة والاستقرار لتقليل وقت الاتصال، ما يخفض التكلفة الحقيقية.
- فتح الباب أمام منافسة حقيقية بين مزودي الخدمة لكسر الاحتكار الذي يخنق السوق.
- ربط أي زيادة مستقبلية بتقرير أداء دوري يوضح التطورات الفعلية في الخدمة، لا وعوداً إنشائية.
خاتمة
ليست المشكلة في ارتفاع أسعار الإنترنت بحد ذاته،
بل في توقيت الرفع، وحجمه، وانعدام البدائل، وغياب الإصلاح الموازي.
الاقتصاد الرقمي في سورية ليس رفاهية، بل آخر نافذة للنمو.
إغلاق هذه النافذة يعني أننا ندفع آلاف الطلاب، والباحثين، والشباب العاملين في الاقتصاد الرقمي إلى خارج السوق، ونضع الاقتصاد السوري في مواجهة جدار مسدود.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من تخفيض #كلفة_المعرفة، لا رفعها






